منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦٤ - تنبيه
أقول: و هنا قسم آخر، و هو أن يكون الملائم قبل التّورية و بعدها كليهما، كقوله ٧ في باب المخ من حكمه: من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة.
فانّ اليدين عبارتان عن النّعمة مع ظهورهما في الجارحة المخصوصة و اقترانهما بما يلائم القريب أعني الاعطاء و القصر و الطول، و اليد القصيرة هي نعمة العبد، و اليد الطويلة هي نعمة الرّب سبحانه.
الثّالث التّورية المبيّنة و هي التي تجامع شيئا ملائما للمعنى البعيد المورّى عنه إمّا قبلها كقوله ٧ في المخ (١): فأجرى فيها سراجا مستطيرا، و قمرا منيرا، فانه ورّى بالسّراج عن الشمس و قرنه بما يلائمها أعني أجرى، لأنّ الجريان أعني الحركة إنّما يتصور فيها دون السّراج الحقيقي فتدبر. و إمّا بعدها كقوله:
|
أما و اللّه لو لا خوف سخطك |
لهان علىّ ما ألقى برهطك |
|
|
ملكت الخافقين فتهت عجبا |
و ليس هما سوى قلبي و قرطك |
|
فانّ الخافقين ظاهران في المشرق و المغرب، و أراد بهما قلبه و قرط محبوبته، و هو المعنى البعيد المورّى عنه، و قد بيّنه بالنصّ عليه في المصراع الأخير، و أوضح منه قوله:
|
أرى ذنب السّرحان في الافق ساطعا |
فهل ممكن انّ الغزالة تطلع |
|
أراد بذنب السّرحان ضوء الفجر و هو المعنى البعيد، و قد بيّنه بذكر لازمه بعده و هو قوله ساطعا، و كذا أراد بالغزالة الشّمس و هو المعنى البعيد، و قد بيّنه بذكر لازمه بعده و هو تطلع، و المعنى القريب في كلا الموضعين الحيوان المعروف.
تنبيه
قد ظهر لك ممّا قدمنا في رسم التّورية الفرق بينها و بين الكناية، لأن الكناية هو ذكر الملزوم و إرادة اللازم مع جواز إرادة الملزوم، فان معنى زيد طويل النّجاد أنّه طويل القامة، فيشترط في الكناية التّلازم بين المعنيين، و لا يعتبر ذلك في التّورية، كما أنّه يعتبر الاشتهار في التّورية و لا يعتبر ذلك في الكناية.