منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦ - البحث الثالث
قال: اعلم أن نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مبصراته، و أنت إذا نظرت للمرآة و شاهدت صورة فيها فلك هناك حالتان: إحداها أن تكون متوجها إلى تلك الصّورة، مشاهدا إيّاها قصدا جاعلا للمرآة حينئذ آلة لمشاهدتها. و لا شك أن المرآة و إن كانت مبصرة في هذه الحالة لكنها ليست بحيث يقتدر بابصارها على هذا الوجه أن يحكم عليها و يلتفت الى أحوالها و الثانية أن تتوجه الى المرآة نفسها، و تلاحظها قصدا فتكون صالحة لأن يحكم عليها، و تكون الصورة حينئذ مشاهدة تبعا غير ملحوظة قصدا و غير ملتفت اليها.
فظهر أن من المبصرات ما يكون تارة مبصرا بالذّات، و اخرى آلة لابصار الغير، فقس على ذلك المعاني المدركة بالبصيرة أعني القوى الباطنة، و استوضح ذلك من قولك: قام زيد، و قولك: نسبة القيام إلى زيد، اذ لا شك أنك تدرك فيهما نسبة القيام إلى زيد، إلا أنها في الاول مدركة من حيث انها حالة بين زيد و القيام و آلة لتعرف حالهما، فكأنهما مرآة تشاهدهما مرتبطا أحدهما بالآخر، و لذلك لا يمكنك أن تحكم عليها أو بها ما دامت مدركة على هذا الوجه و فى الثاني مدركة بالقصد ملحوظة في ذاتها بحيث يمكنك أن تحكم عليها أو بها. فهي على الوجه الأول معنى غير مستقل بالمفهومية، و على الثاني معنى مستقل. و كما يحتاج إلى التعبير عن المعاني الملحوظة بالذّات المستقلة بالمفهومية، كذلك يحتاج إلى التعبير عن المعاني الملحوظة بالغير التي لا يستقل بالمفهومية.
إذا تمهّد هذا فاعلم أنّ الابتداء مثلا معنى هو حالة لغيره و متعلق به، فاذا لاحظه العقل قصدا و بالذات كان معنى مستقلا معه ملحوظا في ذاته صالحا لأن يحكم عليه و به، و يلزمه إدراك متعلقه اجمالا و تبعا، و هو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء، و لك بعد ملاحظته على هذا الوجه أن تقيده بمتعلق مخصوص، فتقول مثلا ابتداء السير البصرة، و لا يخرجه ذلك عن الاستقلال و صلاحية الحكم عليه و به، و إذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السير و البصرة، و جعله آلة لتعرف حالهما