منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٤٥ - المعنى
وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و قال: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ و أما الثّانية فهي ما أشار إليه بقوله: لا بمقارنة، تنبيها على أنّ معيته سبحانه للأشياء ليست بعنوان التّقارن المتبادر إلى الأذهان القاصرة، و الاوهام النّاقصة كما توهّمه كثير من النّاس، حيث إنّهم لم يعرفوا من المعيّة و الحضور الّا معيّة حال بمحلّ، أو محلّ بحال، أو حضور جسم عند جسم، أو حضور جسم في مكان، و لذلك استبعدوا كونه مع كلّ شيء، و حضوره في كلّ مكان، زعما منهم أنّ كونه مع شيء أو في مكان مستلزم لكونه فاقدا لمعيّة ساير الأشياء، و خلوّ ساير الأمكنة عنه، و لم يدروا أنّ ما توهّموه إنّما هو من لوازم معيّة الأجسام مع أمثالها، و خصايص حضور الجسمانيات عند اشباهها، و أمّا اللَّه العظيم القيّوم ذو القوة الشديدة الغير المتناهية، فنسبة جميع الأمكنة و المكانيات و أضعاف أضعافها إلى ذاته، كنسبة القطرة إلى بحر لا يتناهى، و كذلك نسبة جميع الأزمنة إلى تسرمد بقائه، كنسبة الان الواحد إلى زمان لا ينقطع، فلا يشغله شأن عن شأن و لا عالم عن عالم.
و برهان ذلك أنّه سبحانه فاعل الخلق و مبدئهم و موجدهم و غايتهم و تمامهم فكيف يكون غائبا عنهم، و الشّيء مع نفسه بالامكان بين أن يكون و بين أن لا يكون و مع موجوده بالوجوب و الضرورة، فكيف يصحّ الشيء أن ينفك و يغيب عنه موجده و خالقه الذي هو به موجود، و لا ينفك و لا يغيب عنه نفسه التي هو بها هو فقط، فبهذا البرهان ظهر أنّه سبحانه مع خلقه، شاهد عليهم أقرب إليهم من ذواتهم، كما قال:
وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ الذي هو جزء من البدن، فاذا كان كذلك فيرى أشخاصهم، و يسمع كلامهم و يعلم أسرارهم.