منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١١١ - أحدها الابتداء
لك العبور بسفينة المعرفة إلى ساحل بحر محسنات كلامه إذا خضت في غمار عمانه، و غصت على لئاليه و جمانه، و أذكر لكلّ قسم منها مثالا نثرا و نظما من كلام الفصحاء و البلغاء البارعين، مشفوعا بمثال من كلام أمير المؤمنين ٧.
فأقول: إن البديع علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال و وضوح الدلالة، و أقسام الوجوه المحسنة كثيرة، بعضها معنوية راجعة إلى تحسين المعنى بالأصالة و إن كان فيها ما لا يخلو من تحسين اللفظ، و بعضها لفظية كذلك.
فمنها حسن الابتداء و التخلص و الانتهاء
قال أهل البيان و مشايخ البلاغة: ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيما يورده من كلامه في ثلاثة مواضع:
أحدها الابتداء
، فاللّازم له أن يفتح كلامه بأعذب الألفاظ و أجز لها و أرقّها و أسلسها و أحسنها نظما و سبكا و أصحّها مبنى و أوضحها معنى و أخلاها من الحشو و الركاكة و التعقيد و التّقديم و التّأخير الملبس، و ذلك لأنّ مفتتح الكلام أوّل ما يقرع السّمع و يصافح الذّهن فان كان حسنا جامعا لما ذكرناه من الشروط أقبل السّامع على الكلام، فوعى جميعه، و إلّا مجّه السمع و زجة القلب و إن كان الباقي في غاية الحسن، قالوا: و قد أتت جميع فواتح سور القرآن على أحسن الوجوه من البلاغة و أكملها كالتحميدات و حروف الهجاء و النّداء مثل:
يا أَيُّهَا النَّاسُ و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فان مثل هذا الابتداء يوقظ السّامع للاصغاء إليه.
أقول: و أنت خبير بأنّ مطلع خطب أمير المؤمنين ٧ و مفتتحها تالي كلام الربّ تعالى في هذا المعنى، فانك إذا نظرت إلى فواتح خطبه و كلامه ٧ جملها و مفرداتها رأيت من البلاغة و التفنّن و أنواع الاشارة ما يقصر عن بيانه وصف الواصفين، و نعت الناعتين هذا و من حسن الابتداء في النّظم قول امرء القيس:
|
قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل |
لسقط اللوى بين الدّخول فحومل |
|