منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٨٤ - و أما زهده
اقول:
أمّا شجاعته و بأسه و مصادمته الأقران
، فغنيّ عن البيان، قال كاشف الغمة:
و مراسه و ثبات جاشه حيث تزلزل الاقدام، و شدة صبره حيث تطير فراخ الهام، و سطوته و قلوب الشّجعان و اجفة، و استقراره و أقدام الأبطال راجفة، و نجدته عند انخلاع القلوب من الصّدور، و بسالته و رحى الحرب تدور و الدّماء تفور، و نجوم الأسنّة تطلع و تغور، و كشفه الكرب عن وجه رسول اللَّه ٦، و قد فرّ من فرّ من أصحابه، و بذله روحه العزيزة رجاء ما اعتدّ اللَّه من ثوابه، فهي أمر قد اشتهر، و حال قد بان و ظهر، يعرفه من بقى و من غبر، و تضمّنته الأخبار و السّير، فاستوى في العلم به البعيد و القريب، و اتّفق على الاقرار به البغيض و الحبيب، و صدّق به عند ذكره الأجنبيّ و النسيب، مفرق جموع الكفار، حاصد خضرائهم بذي الفقار، مخرجهم من ديارهم الى المفاوز و القفار، مضيّف الطير و السّباع يوم الملحمة و القراع، سيف اللّه الماضي، و نائبه المتقاضي، قد شهدت بدر بمقامه، و كانت حنين من بعض أيامه، و سل احدا عن فعل قناته و حسامه، و يوم خيبر اذ فتح اللَّه على يديه، و الخندق، اذخّر عمرو لفمه و يديه.
و هذه جمل لها تفصيل و بيان، و مقامات رضى بها الرّحمن، و مواطن هدّت الشّرك و زلزلته، و حملته على حكم الصّغار و أنزلته، و مواقف كان فيها جبرئيل يساعده، و ميكائيل يوازره و يعاضده، و اللَّه يمدّه بعناياته، و الرّسول يتبعه بصالح دعواته.
و أمّا زهده ٧
فقد تظاهرت الرّوايات أنّه لم يكن نوع من أنواع الزّهد و العبادة و الورع، الّا و حظه منه وافر الأقسام، و نصيبه منه تام، بل زايد على التّمام و ما اجتمع الأصحاب على خير إلّا كانت له رتبة الامام، و لا ارتقوا قبّة مجد إلّا و له ذروة الغارب و قلة السّنام، و هو الذي عرف الدّنيا بعينها، و تبرّجت له فلم يحفل بزينتها لشينها و تحقق زوالها، فعاف وصالها، و تبين انتقالها، فصرم حبالها و استبان قبح عواقبها، و كدر مشاربها، فالقى حبلها على غاربها، و تركها لطالبها