منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٧ - البحث الثالث
كان معنى غير مستقل بنفسه، لا يصلح أن يكون محكوما عليه و لا محكوما به، و هو بهذا الاعتبار مدلول لفظة من، و هذا معنى ما قيل إنّ الحرف وضع باعتبار معنى عام، و هو نوع من النّسبة كالابتداء مثلا لكلّ ابتداء معين بخصوصه، و النّسبة لا تتعين الّا بالمنسوب اليه، فما لم يذكر متعلق الحرف لا يتحصّل فرد من ذلك النوع الذي هو مدلول الحرف، لا في العقل، و لا في الخارج، و انّما يتحصّل بمتعلّقه فيتعقّل بتعقّله.
ثم قال: و هو ايضا محصول ما ذكره ابن الحاجب في ايضاح المفصّل، حيث قال: الضّمير في ما دلّ على معنى في نفسه يرجع الى معنى أى ما دلّ على معنى باعتباره في نفسه و بالنّظر اليه في نفسه لا باعتبار أمر خارج عنها، و لذلك قيل: الحرف ما دلّ على معنى في غيره، أى حاصل في غيره باعتبار متعلّقه لا باعتباره في نفسه، فقد اتّضح أن ذكر متعلّق الحرف، إنّما وجب لتحصيل معناه في الذّهن، إذ لا يمكن ادراكه الّا بادراك متعلّقه، إذ هو آلة لملاحظته، فعدم استقلال الحرف بالمفهوميّة لقصور و نقصان فى معناه، و أما الفعل فيدلّ على شيئين: أحدهما مستقلّ بالمفهوميّة و هو الحدث. و الثاني غير مستقلّ و هو النّسبة الحكميّة الملحوظة فيه من حيث انّها حالة بين طرفيها، و آلة لتعرّف حالهما مرتبطا أحدهما بالآخر، و لمّا كانت هذه النّسبة التي هي جزء مدلول الفعل لا يتحصّل الّا بالفاعل وجب ذكره كما وجب ذكر متعلّق الحرف، فكما أنّ لفظة من موضوعة بالوضع العام لكلّ ابتداء معين بخصوصه، فكذلك لفظة ضرب موضوعة بالوضع العام لكلّ نسبة للحدث الذي دلت عليه الى فاعلها بخصوصها. لكنّ الفرق بينهما أنّ الحرف لمّا لم يدلّ الّا على معنى غير مستقلّ بالمفهوميّة لم يقع محكوما عليه و لا به، و الفعل لمّا اعتبر فيه الحدث و ضمّ إليه غيره أعني النّسبة الى الفاعل، وجب ذكر الفاعل، و وجب أن يكون مسندا باعتبار الحدث، لعدم إمكان جعل الحدث مسندا إليه لأنّه خلاف وضعه، و أمّا مجموع معناه المركب من الحدث و النّسبة المخصوصة فهو أيضا غير مستقلّ بالمفهوميّة، فلا يصلح لأن يقع محكوما به، فضلا عن أن يقع محكوما عليه.