منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٤ - الثالث في كيفية علمه سبحانه بالأشياء قبل تكوينها و ايجادها
غائب عن ذاته، و منكشفا لذاته غير محجوب عنها، فهو عالم لذاته بذاته، لا بأمر آخر غير ذاته، فذاته عقل و عاقل و معقول، و الاختلاف اعتباريّ من جهة التّعبير و أمّا الدّليل الثّالث فتقريره أنّ وجود جميع الموجودات مستند إلى ذاته و هو ليس مستندا إلى شيء من الأشياء، فهو تعالى لكونه غير متعلق بشيء من الأشياء، موجود لذاته، قائم بذاته، و ذاته حاضرة عند ذاته، و جميع الأشياء لكونه معلولة له تعالى موجودة له حاضرة عنده، غير غائبة، لوجوب كون العلّة موجودة مع المعلول، فان حصول المعلول للعلّة أشد من حصول الصّورة لنا، كما صرّح به المحقّق الطوسي في شرح الاشارات فقد تحقّق بما ذكرناه علمه بذاته و بما سواه.
و لنعم ما قال المحقّق الشّيرازي في الأسفار: كيف يسوغ عند ذي فطرة عقلية أن يكون واهب كمال مّا و مفيضه قاصرا عن ذلك الكمال فيكون المستوهب أشرف من الواهب، و المستفيد أكرم من المفيد، و حيث ثبت استناد جميع الممكنات إلى ذاته تعالى التي هي وجوب صرف، و فعليّة محضة، و من جملة ما يستند إليه هى الذّوات العالمة، و الصّور العلميّة، و المفيض لكل شيء أو في بكلّ كمال لئلا يقصر معطي الكمال عنه، فكان الواجب عالما، و علمه غير زايد على ذاته.
الثالث في كيفيّة علمه سبحانه بالأشياء قبل تكوينها و ايجادها
، و هذا المقام ممّا زلت فيه أقدام العلماء، و تحيّرت فيه أفهام الحكماء، و لنهاية غموضه و صعوبته اختلفوا فيه على أقوال شتّى، و غاية اشكاله و دقّته تفرقوا فيه أيدى سبا و أيادي سبا.
فمنهم من نفاه رأسا كالاشراقيين تبعا لمعلمهم أفلاطن على ما حكي[١] عنهم حيث ذهبوا إلى أنّ علمه بالأشياء مع الأشياء، و أنّ إضافة علمه هي بعينها إضافة فاعليّته، و أنّ معلوميّة الشّيء ليس إلّا حضور ذاته الموجودة عند العالم، و قبل الوجود لا حضور، فلا علم.
[١] الحاكى الصدر الشيرازى فى شرح الكافى منه