منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٦ - الثالث في كيفية علمه سبحانه بالأشياء قبل تكوينها و ايجادها
و الفرق بين الأمرين أنّنا لكوننا ناقصين في الفاعليّة، نحتاج في أفاعيلنا الاختياريّة إلى انبعاث شوق، و استخدام قوّة محرّكة، و استعمال آلة تحريكيّة من العضلات و الرّباطات و غيرها، ثم إلى انقياد مادة لقبول تلك الصّورة، و الأول تعالى لكونه تامّ الفاعليّة لا يحتاج في فاعليّته إلى أمر خارج عن ذاته بل إنّما أمره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون، فانه يعقل ذاته و ما يوجب ذاته، و يعلم من ذاته كيفيّة الخيريّة في الكلّ فيتبع صور الموجودات الخارجة الصّور المعقولة عنده على نحو النّظام المعقول عنده و على حذائه، فالعالم الكنائي بازاء العالم الرّبوبي، و العالم الرّبوبي عظيم جدّا.
و أيضا لو كان الباري يعقل الأشياء من الأشياء، لكانت وجوداتها متقدّمة على عاقليته لها، فلا يكون واجب الوجود، و قد سبق أنّه واجب الوجود من جميع الوجوه، و يكون في ذاته و قوامه أن يقبل ماهيات الأشياء، و كان فيه عدمها باعتبار ذاته، فيكون في ذاته جهة إمكانية، و لكان لغيره مدخل في تتميم ذاته، و هو محال، فيجب أن يكون من ذاته ما هو الأكمل، لا من غيره، فقد بقى أن يكون علمه بالممكنات حاصلا له تعالى قبل وجودها، لا من وجودها، هذا حاصل كلام المشّائين في علم اللَّه بما سواه انتهى كلامه.
أقول: هذا القول لمّا كان فاسدا جدا شنع عليه المتأخرون و منهم المحقّق الطوسي في شرح الاشارات حيث قال في محكي كلامه: لا شك في أنّ القول بتقرير لوازم الأوّل في ذاته تعالى، قول بكون الشّيء الواحد فاعلا و قابلا، و قول بكون الأوّل موصوفا بصفات غير إضافية و لا سببيّة، و قول بكونه محلا لمعلولاته الممكنة المتكثرة، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا اه.
و قيل في المقام أقوال اخر يرتقى إلى ستّة، و لكنّها كلها غير خالية عن الفساد، و النّقض و الايراد، و من أراد الاطلاع عليها فليراجع إلى كتاب المبدأ و المعاد، و السّفر الالهي من الاسفار للصّدر الشيرازي، و باضافة ما اختاره هناك إليها يرتقى الأقوال إلى سبعة هذا.