منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٥ - الثالث في كيفية علمه سبحانه بالأشياء قبل تكوينها و ايجادها
و منهم من ذهب إلى إثباته و أنّ علمه بالأشياء متقدّم عليها، و هم المشّاؤون تبعا لمعلمهم أرسطاطاليس، قالوا: إنّ عالميّته بالأشياء بتقرّر صورها العقلية، و ارتسام رسومها الادراكية في ذاته تعالى، و اعتذروا عن ذلك بأنّ تلك الصّورة و إن كانت اعراضا قائمة بذاته: إلّا أنّها ليست بصفاته، و ذاته لا ينفعل عنها، و لا يستكمل بها، لأنّها بعد الذّات و هي من قبيل اللوازم المتأخّرة و الآثار، لا من قبيل الصّفات و الاحوال، و أيضا لا تخل كثرتها بوحدة الذّات، لأنّها كثرة على ترتيب السّببيّة و المسبّبية، و كترتيب الواحد و الاثنين و الثّلاثة و ما بعدها، فلا تنثلم بها وحدة الذّات، كما لا تنثلم وحدة الواحد بكونه مبدءا للأعداد الغير المتناهية إذ التّرتيب يجمع الكثرة في وحدة.
توضيحه ما ذكره الصّدر الشّيرازي في شرح الهداية، حيث قال: و اعلم أنّ المصنّف اختار في علم الواجب بالأشياء الكلية و الجزئية، مذهب الحكماء القائلين بارتسام صور الموجودات في ذاته تعالى، كالكسيمائيس الملطي و أرسطا طاليس، و هو الظاهر من كلام الشّيخين أبي نصر و أبي علي و تلميذه بهمنيار، و بالجملة جمهور أتباع المعلّم الأوّل من المشاءين.
و تقريره على ما يستفاد من كتبهم هو، أنّ الصّورة العقليّة قد تؤخذ عن الصّورة الموجودة كما يستفاد من السّماء بالرّصد و الحس صورتها المعقولة، و قد لا يستفاد الصّورة المعقولة من الموجود، بل ربّما يكون الأمر بالعكس من ذلك، كصورة بيت أبدعها البنّاء أوّلا في ذهنه، ثم تصير تلك الصّورة العقولة علّة محرّكة لأعضائه إلى أن يوجدها في الخارج، فليست تلك الصّورة وجدت فعقلت بل عقلت فوجدت.
و لمّا كانت نسبة جميع الأشياء الممكنة إلى اللَّه تعالى نسبة المصنوع إلى النّفس الصّانعة لو كانت تامّة الفاعليّة، فقياس عقل واجب الوجود للأشياء هو قياس افكار للعلوم التي نستنبطها ثم نوجدها في الخارج، من حيث إنّ المعقول منها سبب للموجود