منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٤ - المعنى
شيء يغلبني؟ فخلق اللّه الجبال فأثبتها في ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها، فذلت الأرض و استقرت، و يأتي فيه طائفة من الأخبار في شرح الفصل الثّامن من فصول الخطبة هذا، و الاشكال بعد في كيفيّة كون الجبال سببا لسكون الأرض، و قد ذكروا فيها وجوها:
منها ما ذكره الفخر الرّازي في التّفسير الكبير، و هو أنّ السّفينة اذا القيت على وجه الماء، فانّها تميل من جانب إلى جانب و تضطرب، فاذا وقعت الأجرام الثّقيلة فيها، استقرّت على وجه الماء، فكذلك لمّا خلق اللّه الأرض على وجه الماء اضطربت، و مادت، فخلق اللّه عليها هذه الجبال و وتدها بها، فاستقرّت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال.
ثم قال: لقائل أن يقول: هذا يشكل من وجوه الأوّل أنّ هذا المعلّل إمّا أن يقول بأن حركات الأجسام بطباعها، أو يقول ليست بطباعها بل هي واقعة بايجاد الفاعل المختار.
فعلى التّقدير الأوّل نقول لا شكّ إنّ الأرض أثقل من الماء، و الأثقل يغوص في الماء و لا يبقى طافيا عليه، فامتنع أن يقال: إنّها كانت تميد و تضطرب، بخلاف السّفينة، فانّها متّخذة من الخشب، و في داخل الخشب تجويفات، غير مملوة، فلذلك تميد و تضطرب على وجه الماء، فاذا ارسيت بالأجسام الثقيلة استقرت و سكنت، فظهر الفرق.
و أمّا على التّقدير الثّاني و هو أن يقال: ليس للأرض و الماء طبايع يوجب الثّقل و الرّسوب، و الأرض إنّما تنزل لأن اللّه تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك، و إنّما صار الماء محيطا بالأرض، لمجرّد إجراء العادة، و ليس هاهنا طبيعة للأرض و لا للماء توجب حالة مخصوصة، فنقول: على هذا التّقدير علّة سكون الأرض هي انّ اللّه يخلق فيها السّكون، و علّة كونها مائدة مضطربة، هو أنّ اللّه يخلق فيها الحركة فيفسد القول بأنّ اللّه خلق الجبال لتبقى الأرض ساكنة، فثبت أنّ التّعليل مشكل على كلا التّقديرين انتهى.