منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٣ - الثاني
المادّة، و كون جميع الاشياء مستندا إلى ذاته المقدّسة، أدلة على كون الباري سبحانه عالما، إلا أنّ الاوّل مفيد لعلمه بما سواه، و الثّاني لعلمه بذاته، و الثّالث لعلمه بذاته و بما سواه.
أمّا الاوّل فتفصيله أنّه سبحانه فاعل فعلا محكما متقنا، و كلّ من كان كذلك فهو عالم، أمّا الكبرى فضروريّة، و ينبّه عليه أنّ من رأى خطوطا مليحة، و ألفاظا فصيحة، مشتملة على نكات دقيقة، و أسرار خفيّة، علم علما قاطعا بأنّ موجدها عالم، و أمّا الصّغرى فلما ثبت و تحقّق، من أنّه خالق للأفلاك و العناصر و الأعراض و الجواهر و الأنهار و الأشجار و الأزهار و الأثمار و الحيوان و الانسان على أحسن نظام و أتقن انتظام، بما لا يقدر على ضبطه الدّفاتر و الأقلام، و تحيّر فيه العقول و الأفهام، و كفى بذلك شهيدا صنعة الانسان، حيث خَلَقَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طينٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكينٍ، ثُمَّ خَلَقَ النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقَ الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقَ الْمُضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَا الْعِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأَهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.
و أمّا الدّليل الثّاني فتحقيقه يستدعي رسم مقدمات الاولى أنّ واجب الوجود مجرّد غاية التجرّد إذ المراد بغاية التجرّد كون الشيء قائما بذاته، غير متعلّق الهوية و الوجود بمادّة أو موضوع، و واجب الوجود كذلك[١] الثانية أنّ كلما هو قائم بذاته غير متعلّق الهوية بشيء آخر، فهو موجود لذاته، حاضر عند ذاته غير غائبة و لا منفكة ذاته عن ذاته الثالثة أنّ العلم هو حضور المعلوم بعينه أو بصورته عند المجرّد الموجود بالفعل القائم بذاته، و انكشافه لديه و ثبوته بين يديه، و هذا أيضا ظاهر و إذا لاحظت هذه المقدمات ظهر لك أنّ واجب الوجود لكونه مجرّدا غاية التجرد، و لكونه قائما بذاته، و موجودا لذاته، و حاضرا عند ذاته، غير
[١] اذ لو كان ماديا لكان منقسما الى الاجزاء مفتقرا اليها منه