منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٣٨ - المعنى
و في الكافي باسناده عن أبي حمزة الثمالى، عن أبي جعفر ٧، قال: مكتوب في التّوراة التي لم تغير أنّ موسى ٧ سأل ربّه، فقال: يا رب أ قريب أنت منّي فاناجيك، أم بعيد فاناديك فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: يا موسى أنا جليس من ذكرني الحديث.
فان قلت: سلمنا هذا كله، و لكن ما تقول في قوله تعالى:
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
فان الظاهر من الاستواء هو الاستقرار و الجلوس عليه.
قلنا: هذه الآية هي التي تعلقت بها المشبّهة في أنّ معبودهم جالس على العرش، و بعد ما قام البراهين العقلية و الحجج النقلية على نفي المكان عنه حسبما عرفته و تعرف إن شاء اللّه أيضا تفصيلا في شرح الخطبة المأة و السّابعة و السّبعين، ثبت تجرده عن جميع الأحياز و الأمكنة، و إذا ثبت تجرّده عنها ثبت أنّ نسبته إلى الكلّ نسبة واحدة، فلا بدّ من ارتكاب التّأويل في الآية الشّريفة.
و قد ذكروا فيه وجوها و أقوالا كثيرة، أقربها ما ذكره القفال من علماء المعتزلة و هو أنّ المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة اللّه و كبريائه.
و تقريره أنّه لما خاطب اللّه عباده في تعريف ذاته و صفاته بما اعتادوه في ملوكهم و عظمائهم، فمن ذلك أنّه جعل الكعبة بيتا يطوف الناس به كما يطوفون بيوت ملوكهم، و أمر النّاس بزيارته كما يزورون بيوت ملوكهم، و ذكر في الحجر الأسود أنّه يمين اللّه في أرضه، ثم جعله موضع تقبيلهم كما يقبل النّاس أيدي ملوكهم و كذلك ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة و النّبيّين و الشّهداء و وضع الموازين، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال:
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ثم قال: وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ و قال: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ و قال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ.