دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٠٩ - أحدهما أن لا يكون إجراء أصل البراءة مستلزما لثبوت حكم إلزامي من جهة اخرى
حكمين، فإن اريد بإعمال الأصل في نفي أحدهما إثبات الآخر، ففيه:
إنّ مفاد أدلّة أصل البراءة مجرّد نفي التكليف دون إثباته، و إن كان الإثبات لازما واقعيّا لذلك النفي، فإنّ الأحكام الظاهريّة إنّما تثبت بمقدار مدلول أدلّتها و لا يتعدّى إلى أزيد منه بمجرّد ثبوت الملازمة الواقعيّة بينه و بين ما ثبت، إلّا أن يكون الحكم الظاهري الثابت بالأصل موضوعا لذلك الحكم الآخر، كما ذكرنا في مثال براءة الذمّة عن الدّين و الحجّ، و سيجيء توضيح ذلك في باب تعارض الاستصحابين.
(و إن كان على الوجه الثاني)
بأن يكون ترتّب الحكم الإلزامي على الأصل من جهة الملازمة الناشئة من العلم الإجمالي، كالعلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين، هذا هو المقصود من قوله: (و إن كان على الوجه الثاني الراجع إلى وجود العلم الإجمالي بثبوت حكم مردّد بين حكمين) إلّا أنّ عبارة المصنّف (قدّس سرّه) قاصرة لعدم شمولها الإناءين المشتبهين لكونهما من قبيل دوران الأمر في حكم بين عروضه لأحد موضوعين، و حينئذ فلو قال بثبوت حكم مردّد بين موضوعين كان أولى، كما في الأوثق بتصرّف.
(فإن اريد بإعمال الأصل في نفي أحدهما إثبات الآخر).
بأن يراد من إجراء أصالة عدم تقدّم الكرّيّة على الملاقاة إثبات تقدّم الملاقاة عليها و وجوب الاجتناب عن الماء، كما في شرح الاستاذ الاعتمادي.
(ففيه: إنّ مفاد أدلّة أصل البراءة) و كذلك أصل العدم (مجرّد نفي التكليف دون إثباته) أي: التكليف من جهة اخرى، فكلام الفاضل التوني (قدّس سرّه) صحيح في هذا الفرض، لأنّ إثبات التكليف من جهة اخرى لازم عقلي للأصل فيكون مثبتا و ليس بحجّة، كما أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) بقوله:
(فإنّ الأحكام الظاهريّة إنّما تثبت بمقدار مدلول أدلّتها).
و من المعلوم أنّ مدلول أدلّة أصل البراءة هو نفي التكليف فقط دون إثباته من جهة اخرى، و هذا بخلاف الطرق و الأمارات حيث مثبتاتها و لوازمها العقليّة حجّة. فلو قامت البيّنة على عدم تقدّم الكرّيّة تثبت بها بنجاسة الماء، و لا تثبت بأصالة العدم (إلّا أن يكون الحكم الظاهري الثابت بالأصل موضوعا لذلك الحكم الآخر) فيترتّب الحكم الآخر على