البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٧ - وفد بنى عامر* و قصة عامر بن الطفيل* و أربد بن مقيس
ابن جزء بن جعفر بن خالد و جبار [١] بن سلمى بن مالك بن جعفر و كان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم و شياطينهم و قدم عامر بن الطفيل عدو اللَّه على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يريد الغدر به، و قد قال له قومه يا أبا عامر ان الناس قد أسلموا فأسلم. قال و اللَّه لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبى فانا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأربد ان قدمنا على الرجل فانى سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فأعله بالسيف،
فلما قدموا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني قال: «لا و اللَّه حتى تؤمن باللَّه وحده» قال يا محمد خالني، قال و جعل يكلمه و ينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يحير شيئا، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال يا محمد خالني، قال «لا حتى تؤمن باللَّه وحده لا شريك له» فلما أبى عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال: أما و اللَّه لاملأنها عليك خيلا و رجالا فلما ولى قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «اللَّهمّ اكفني عامر بن الطفيل»
فلما خرجوا من عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال عامر بن الطفيل لأربد أين ما كنت أمرتك به و اللَّه ما كان على ظهر الأرض رجل أخوف على نفسي منك، و أيم اللَّه لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا أبا لك لا تعجل على و اللَّه ما هممت بالذي أمرتنى به إلا دخلت بيني و بين الرجل حتى ما أرى غيرك أ فأضربك بالسيف.
و خرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث اللَّه عز و جل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله اللَّه في بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر أ غدّة كغدة البكر في بيت امرأة من بنى سلول؟ قال ابن هشام: و يقال أ غدّة كغدة الإبل و موت في بيت سلولية.
و روى الحافظ البيهقي من طريق الزبير بن بكار حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن موءلة عن أبيها عن جدها موءلة بن حميل [٢] قال أتى عامر بن الطفيل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له «يا عامر أسلم» فقال أسلم على أن لي الوبر و لك المدر: قال «لا» ثم قال أسلم فقال أسلم على أن لي الوبر و لك المدر قال لا فولى و هو يقول: و اللَّه يا محمد لأملأنها عليك خيلا جردا و رجالا مردا و لأربطن بكل نخلة فرسا. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اللَّهمّ اكفني عامرا و أهد قومه.
فخرج حتى إذا كان بظهر المدنية صادف امرأة من قومه يقال لها سلولية فنزل عن فرسه و نام في بيتها فأخذته غدة في حلقه فوثب على فرسه و أخذ رمحه و أقبل يجول و هو يقول غدة كغدة البكر و موت في بيت سلولية، فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا. و ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب في أسماء الصحابة موءلة هذا فقال هو موءلة بن كثيف الضبابي الكلابي العامري من بنى عامر بن صعصعة أنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو ابن عشرين سنة فأسلم و عاش في الإسلام مائة سنة و كان يدعى ذا اللسانين من فصاحته، روى عنه ابنه عبد العزيز و هو الّذي روى قصة عامر بن الطفيل غدة كغدة البعير و موت في بيت سلولية.
[١] في الأصل حيان
[٢] في القاموس: موءلة بن كثيف بن حمل و في الاصابة ابن حميل.