البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٥ - وفد أهل نجران
الوادي و لا يصدر إلا عن رأى شرحبيل، فرجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي الأمي رسول اللَّه لنجران أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة و كل صفراء و بيضاء و رقيق فأفضل عليهم و ترك ذلك كله على ألفي حلة، في كل رجب ألف حلة، و في كل صفر ألف حلة، و ذكر تمام الشروط.
إلى أن شهد أبو سفيان بن حرب و غيلان بن عمرو و مالك بن عوف من بنى نصر و الأقرع بن حابس الحنظليّ و المغيرة، و كتب حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران و مع الأسقف أخ له من أمه و هو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية و كنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الأسقف، فبينما هو يقرأه و أبو علقمة معه و هما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعّس بشر غير أنه لا يكنى عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال له الأسقف عند ذلك قد و اللَّه تعست نبيا مرسلا فقال له بشر لا جرم و اللَّه لا أحل عنها عقدا حتى آتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فصرف وجه ناقته نحو المدينة و ثنى الأسقف ناقته عليه، فقال له: افهم عنى إنما قلت هذا ليبلغ عنى العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو نجعنا لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب و نحن أعزهم و أجمعهم دارا فقال له بشر لا و اللَّه لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته و هو مولى الأسقف ظهره و ارتجز يقول:
إليك تغدو قلقا وضينها* * * معترضا في بطنها جنيهنا
مخالفا دين النصارى دينها
حتى أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأسلم و لم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. قال و دخل الوفد نجران فأتى الراهب بن أبى شمر الزبيدي و هو في رأس صومعته فقال له: إن نبيا بعث بتهامة فذكر ما كان من وفد نجران الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا و إن بشر بن معاوية دفع اليه فأسلم فقال الراهب أنزلونى و إلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة قال فأنزلوه فأخذ معه هدية و ذهب الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منها هذا البرد الّذي يلبسه الخلفاء و قعب و عصا. فأقام مدة عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يسمع الوحي ثم رجع الى قومه و لم يقدر له الإسلام و وعد أنه سيعود فلم يقدر له حتى توفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أن الأسقف أبا الحارث أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و معه السيد و العاقب و وجوه قومه فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل اللَّه عليه و
كتب للاسقف هذا الكتاب و لاساقفة نجران بعده بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد النبي للاسقف أبى الحارث و أساقفة نجران و كهنتهم و رهبانهم و كل ما تحت أيديهم من قليل و كثير جوار اللَّه و رسوله لا يغير أسقف من أسقفته و لا راهب من رهبانيته و لا كاهن من كهانته و لا يغير حق من حقوقهم و لا سلطانهم و لا ما كانوا عليه من ذلك، جوار اللَّه و رسوله أبدا ما أصلحوا و نصحوا عليهم غير مبتلين بظلم و لا ظالمين و كتب المغيرة بن شعبة.