البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥ - فصل
بنفسه فقال «قد نهيتك عن حب يهود»
فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه؟ ثم قال يا رسول اللَّه ليس هذا الحين عتاب هو الموت فاحضر غسلي و أعطنى قميصك الّذي يلي جلدك فكفني فيه وصل على و استغفر لي، ففعل ذلك به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و روى البيهقي من حديث سالم بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي فاللَّه أعلم.
و قد قال إسحاق بن راهويه: قلت لأبي أسامة أحدثكم عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفى عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول جاء ابنه عبد اللَّه إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلى عليه فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلى عليه فقام عمر بن الخطاب فاخذ بثوبه فقال: يا رسول اللَّه تصلى عليه و قد نهاك اللَّه عنه، فقال رسول اللَّه «إن ربى خيرنى فقال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ و سأزيد على السبعين» فقال إنه منافق أ تصلي عليه؟
فانزل اللَّه عز و جل وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فأقر به أبو أسامة و قال نعم! و أخرجاه في الصحيحين من حديث أبى أسامة، و في رواية للبخاريّ و غيره قال عمر: فقلت يا رسول اللَّه تصلى عليه و قد قال في يوم كذا كذا، و قال في يوم كذا كذا و كذا!! فقال «دعني يا عمر فانى بين خيرتين، و لو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له لزدت»
ثم صلى عليه فأنزل اللَّه عز و جل وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ الآية.
قال عمر: فعجبت من جرأتى على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اللَّه و رسوله أعلم. و قال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: أنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبر عبد اللَّه بن أبىّ بعد ما أدخل حفرته فامر به فاخرج فوضعه على ركبتيه- أو فخذيه- و نفث عليه من ريقه و ألبسه قميصه فاللَّه أعلم.
و في صحيح البخاري بهذا الاسناد مثله و عنده إنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسى العباس قميصا حين قدم المدينة فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد اللَّه بن أبىّ. و قد ذكر البيهقي ها هنا قصة ثعلبة بن حاطب و كيف افتتن بكثرة المال و منعه الصدقة، و قد حررنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ الآية.
فصل
قال ابن إسحاق: و كانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قال حسان بن ثابت رضى اللَّه عنه يعدد أيام الأنصار مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و يذكر مواطنهم معه في أيام غزوة، قال ابن هشام و تروى لابنه عبد الرحمن بن حسان:
أ لست خير معد كلها نفرا* * * و معشرا إن هموا عموا و إن حصلوا