البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٠ - فصل
ماتت، و أحتاج على أن يراعى خاطرها بعض الشيء فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رأى على أن يجدد البيعة مع ابى بكر رضى اللَّه عنه كما سنذكره من الصحيحين و غيرهما فيما بعد ان شاء اللَّه تعالى معما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و يزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم حدثني أبى أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر و أن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير. ثم خطب أبو بكر و اعتذر الى الناس و قال: ما كنت حريصا على الامارة يوما و لا ليلة، و لا سألتها في سر و لا علانية. فقبل المهاجرون مقالته. و قال على و الزبير: ما غضبنا إلا لأنا اخرنا عن المشورة و انا نرى ان ابا بكر أحق الناس بها، انه لصاحب الغار و انا لنعرف شرفه و خبره، و لقد امره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ان يصلى بالناس و هو حي. اسناد جيد و للَّه الحمد و المنة.
فصل
و من تأمل ما ذكرناه ظهر له اجماع الصحابة المهاجرين منهم و الأنصار على تقديم أبى بكر، و ظهر برهان
قوله (عليه السلام): «يأبى اللَّه و المؤمنون إلا أبا بكر».
و ظهر له أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم ينص على الخلافة عينا لأحد من الناس، لا لأبى بكر [١] كما قد زعمه طائفة من أهل السنة، و لا لعلى كما يقوله طائفة من الرافضة. و لكن أشار اشارة [قوية يفهمها كل ذي لب و عقل الى الصدّيق كما قدمنا و سنذكره] [٢] و للَّه الحمد كما ثبت في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر:
أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له ألا تستخلف يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير منى. يعنى- أبا بكر- و إن أترك فقد ترك من هو خير منى، يعنى- رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)-. قال ابن عمر: فعرفت حين ذكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه غير مستخلف. و قال سفيان الثوري عن عمرو بن قيس عن عمرو بن سفيان. قال. لما ظهر عليّ على الناس. قال: يا أيها الناس ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يعهد إلينا في هذه الامارة شيئا، حتى رأينا من الرأى أن يستخلف أبا بكر فأقام و استقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأى أن يستخلف عمر فأقام و استقام حتى مضى لسبيله- أو قال حتى ضرب الدين بجرانه- الى آخره. و قال الامام احمد ثنا أبو نعيم ثنا شريك عن الأسود ابن قيس عن عمرو بن سفيان. قال: خطب رجل يوم البصرة حين ظهر عليّ فقال عليّ: هذا الخطيب السجسج- سبق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و صلى أبو بكر و ثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة بعدهم يصنع اللَّه فيها ما يشاء.
و قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ أنبأنا أبو بكر محمد بن احمد الزكي بمرو ثنا عبد اللَّه ابن روح المدائني ثنا شبابة بن سوار ثنا شعيب بن ميمون عن حصين بن عبد الرحمن عن الشعبي
[١] في التيمورية: إلا لأبى بكر و عبارة المصنف لا تحتملها.
[٢] ما بين المربعين عن المصرية.