البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٥ - سنة احدى عشرة من الهجرة
الصحيح من حديث عمر بن الخطاب أنه قال نزل قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً يوم الجمعة و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واقف بعرفة. و روينا من طريق جيد: أن عمر بن الخطاب حين نزلت هذه الآية بكى فقيل ما يبكيك؟ فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان، و كأنه استشعر وفاة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد أشار (عليه السلام) الى ذلك فيما
رواه مسلم من حديث ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وقف عند جمرة العقبة و قال لنا. خذوا عنى مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا.
و قدمنا ما رواه الحافظان أبو بكر البزار و البيهقي من حديث موسى بن عبيدة الرَّبَذيّ عن صدقة بن يسار عن ابن عمر. قال: نزلت هذه السورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ في أوسط أيام التشريق فعرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم ذكر خطبته في ذلك اليوم كما تقدم و هكذا قال عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما لعمر بن الخطاب حين سأله عن تفسير هذه السورة بمحضر كثير من الصحابة ليريهم فضل ابن عباس و تقدمه و علمه حين لامه بعضهم على تقديمه و اجلاسه له مع مشايخ بدر. فقال: إنه من حيث تعلمون ثم سألهم و ابن عباس حاضر عن تفسير هذه السورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً فقالوا أمرنا إذا فتح لنا أن نذكر اللَّه و نحمده و نستغفره فقال ما تقول يا ابن عباس؟ فقال هو أجل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نعى اليه. فقال: عمر لا أعلم منها الا ما تعلم. و قد ذكرنا في تفسير هذه السورة ما يدل على قول ابن عباس من وجوه و ان كان لا ينافي ما فسر به الصحابة رضى اللَّه عنهم. و كذلك ما
رواه الامام احمد حدثنا وكيع عن ابن أبى ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة. أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما حج بنسائه قال: «إنما هي هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر».
تفرد به احمد من هذا الوجه. و قد رواه أبو داود في سننه من وجه آخر جيد.
و المقصود أن النفوس استشعرت بوفاته (عليه السلام) في هذه السنة و نحن نذكر ذلك و نورد ما روى فيما يتعلق به من الأحاديث و الآثار و باللَّه المستعان و لنقدم على ذلك ما ذكره الأئمة محمد بن إسحاق بن يسار و أبو جعفر بن جرير و أبو بكر البيهقي في هذا الموضع قبل الوفاة من تعداد حججه و غزواته و سراياه و كتبه و رسله الى الملوك فلنذكر ذلك ملخصا مختصرا ثم نتبعه بالوفاة.
ففي الصحيحين من حديث أبى إسحاق السبيعي عن زيد بن أرقم: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غزا تسع عشرة غزوة، و حج بعد ما هاجر حجة الوداع و لم يحج بعدها قال أبو إسحاق و واحدة بمكة كذا قال أبو إسحاق السبيعي. و قد قال زيد بن الحباب عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حج ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر و واحدة بعد ما هاجر