البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٢ - ذكر إفاضته (عليه السلام) الى البيت العتيق
(عليه السلام) صلى الظهر بمكة بل محتملة إن كان المحفوظ في الرواية حتى صلى الظهر و إن كانت الرواية حين صلى الظهر و هو الأشبه فان ذلك دليل على أنه (عليه السلام) صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب الى البيت و هو محتمل و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم. و على هذا فيبقى مخالفا لحديث جابر فان هذا يقتضي أنه صلى الظهر بمنى قبل أن يركب الى البيت و حديث جابر يقتضي أنه ركب الى البيت قبل أن يصلى الظهر و صلاها بمكة. و قد قال البخاري و قال أبو الزبير عن عائشة و ابن عباس أخر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- يعنى طواف الزيارة الى الليل- و هذا و الّذي علقه البخاري فقد
رواه الناس من حديث يحيى بن سعيد و عبد الرحمن بن مهدي و فرج بن ميمون عن سفيان الثوري عن أبى الزبير عن عائشة و ابن عباس: أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخر الطواف يوم النحر الى الليل. و رواه أهل السنن الأربعة من حديث سفيان به.
و قال الترمذي حسن. و قال الامام احمد حدثنا محمد بن عبد اللَّه ثنا سفيان عن أبى الزبير عن عائشة و ابن عمر: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سلّم زار ليلا. فإن حمل هذا على أنه أخر ذلك الى ما بعد الزوال كأنه يقول الى العشي صح ذلك. و أما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا و مخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة من أنه (عليه السلام) طاف يوم النحر نهارا، و شرب من سقاية زمزم. و أما الطواف الّذي ذهب في الليل الى البيت بسببه فهو طواف الوداع. و من الرواة من يعبر عنه بطواف الزيارة كما سنذكره إن شاء اللَّه. أو طواف زيارة محضة قبل طواف الوداع و بعد طواف الصدر الّذي هو طواف الفرض. و قد ورد حديث سنذكره في موضعه. أن رسول اللَّه كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى و هذا بعيد أيضا و اللَّه أعلم.
و قد روى الحافظ البيهقي من حديث عمرو ابن قيس عن عبد الرحمن عن القاسم عن أبيه عن عائشة: أن رسول اللَّه أذن لأصحابه فزار و البيت يوم النحر ظهيرة و زار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مع نسائه ليلا.
و هذا حديث غريب جدا أيضا و هذا قول طاوس و عروة بن الزبير: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخر الطواف يوم النحر الى الليل. و الصحيح من الروايات و عليه الجمهور أنه (عليه السلام) طاف يوم النحر بالنهار و الأشبه أنه كان قبل الزوال و يحتمل أن يكون بعده و اللَّه أعلم.
و المقصود أنه (عليه السلام) لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا و هو راكب ثم جاء زمزم و بنو عبد المطلب يستقون منها و يسقون الناس، فتناول منها دلوا فشرب منه و أفرغ عليه منه. كما
قال:
مسلم أخبرنا محمد بن منهال الضرير ثنا يزيد بن زريع ثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد اللَّه المزني سمع ابن عباس يقول و هو جالس معه عند الكعبة: قدم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على راحلته و خلفه اسامة فأتيناه بإناء فيه نبيذ فشرب و سقى فضله اسامة. و قال: أحسنتم و أجملتم هكذا فاصنعوا.
قال ابن عباس فنحن لا نريد أن نغير ما أمر به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و في رواية عن بكر أن أعرابيا قال لابن عباس: