فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٠٧ - الأمر الثاني
كون الشّخص في معرض الابتلاء و ان لم يعلم بالابتلاء، لأنّ مناط حكم العقل- و هو لزوم رواح العبد إلى باب المولى و انّ ذلك من وظيفته- لا يختصّ بالعالم بأنّ للمولى مرادا، بل يكفى احتمال ذلك مع كونه في معرض ذلك، و من هنا قلنا: انّه يجب على المكلّف تعلّم مسائل الشّك و السّهو و لو لم يعلم بابتلائه بهما، إلّا إذا علم بعدم الابتلاء فانّه لا يجب عليه ذلك، و لكن انّى له بهذا العلم؟ و كيف يمكن ان يحصل لأحد، مع انّ الشّك و السّهو امر يقع بغير اختيار و على خلاف العادة، فمجرّد انّه ليس من عادته السّهو و الشّك لا يكفى في حصول العلم.
و على كلّ حال: لا إشكال في لزوم التّعلم إذا كانت المسألة ممّا تعمّ بها البلوى، كمسائل السّهو و الشّك، و التّيمم و غير ذلك، من غير فرق بين ان يعلم بالابتلاء أو لا يعلم.
و امّا لو لم تكن المسألة ممّا تعمّ بها البلوى، فظاهر الفتاوى عدم وجوب التّعلم مع عدم العلم أو الاطمئنان بعدم الابتلاء و لعلّه لجريان أصالة عدم الابتلاء، فانّ حكم العقل بوجوب التّعلم لمّا كان حكما طريقيّا، نظير حكمه بالاحتياط في باب الدّماء و الفروج و الأموال، كان الأصل الموضوعي رافعا لموضوع حكم العقل، فيكون استصحاب عدم الابتلاء في المقام نظير استصحاب ملكيّة المال في باب الأموال، فكما لا يجب الاحتياط عند استصحاب ملكيّة المال لخروج المال ببركة الاستصحاب عن احتمال كونه مال الغير الّذي هو موضوع حكم العقل بلزوم الاحتياط، كذلك استصحاب عدم الابتلاء يوجب دفع احتمال الابتلاء الّذي هو الموضوع عند العقل بلزوم التّعلم.
و بعبارة أخرى: موضوع حكم العقل بلزوم التّعلّم انّما هو الحكم الّذي يبتلى به، و استصحاب عدم الابتلاء يرفع ذلك الموضوع، و لا دافع لهذا الاستصحاب إلّا توهّم عدم جريان الاستصحاب بالنّسبة إلى المستقبل، أو توهّم انّ حكم العقل في المقام نظير حكمه بقبح التشريع الّذي يحكم بقبحه في صورة العلم و الظن و الشك و الوهم بمناط واحد، و من هنا لا تصل النّوبة إلى الأصول الشرعيّة كما فصّلنا الكلام في ذلك في محلّه.