اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٨ - الفصل الأوّل فيما يتعلّق به النهي وما يقتضيه
عقيب أمر المولى بأنّ المولى أمرني بهذا العمل، وإطاعته واجبة عليَّ ومخالفته موجبة لاستحقاق العقوبة، فينبعث عقيب هذه الملاحظات إلى ما بعثه المولى إليه بواسطة الأمر، وهذا بعث اعتباري تشريعي.
وكذلك إذا أراد المولى أن يمنع عبده من إيجاد فعل فتارةً يزجره عنه تكويناً، بأن يحول بينه وبين ذلك الفعل، وهذا زجر حقيقي تكويني، واخرى يزجره عنه تشريعاً بواسطة نهيه عنه، لكي يحسب العبد في نفسه عقيب نهي المولى بأنّ المولى نهاني عن هذا العمل، وإطاعته واجبة عليَّ ومخالفته موجبة لاستحقاق العقوبة، فينزجر عقيب هذه الملاحظات عمّا زجره المولى عنه بواسطة النهي، وهذا زجر اعتباري تشريعي.
والحاصل: أنّ الفرق بين الأمر والنهي إنّما هو بحسب الهيئة، فإنّ هيئة الأوّل دالّة على البعث الاعتباري وهيئة الثاني على الزجر الاعتباري، وأمّا بحسب المادّة فهما متّحدان، إذ متعلّق كليهما إيجاد [١] الفعل، فإنّ النهي عبارة عن الزجر عن إيجاد الفعل، كما أنّ الأمر عبارة عن البعث إلى إيجاده، فمتعلّق كليهما أمر واحد، وبين أنفسهما فرق ماهوي، عكس ما زعمه المشهور من أنّ الأمر والنهي بمعنى واحد، وهو الطلب، والاختلاف في متعلّقهما، فمتعلّق الأوّل هو إيجاد الفعل ومتعلّق الثاني إمّا الكفّ عنه أو مجرّد تركه وأن لا يفعل.
ويؤيّد ما ذكرناه أنّ مادّة جميع المشتقّات شيء واحد، فإنّ مادّة «ضَرَبَ، يضرب، ضارب، مضروب» وغيرها من المشتقّات شيء واحد، وهو «ض- ر- ب» فلابدّ من أن يرجع الاختلاف الموجود في معانيها إلى هيئاتها.
[١] الإيجاد هاهنا في مقابل الترك والكفّ، لا في مقابل الطبيعة، فلا ينافي ما تقدّم من تعلّق التكاليف بالطبايع لا بالأفراد أو الوجودات. منه مدّ ظلّه.