اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٣٥٨ - البحث حول الأدلّة المشتملة على الخطاب
وأمّا القسم الثاني فقد ذهب المحقّق الخراساني رحمه الله إلى أنّ الخطاب الذي يتوقّف على وجود المخاطب وحضوره إنّما هو الخطاب الحقيقي [١]، ولم توضع الأداة له، بل للإنشائي، سواء قارن الحقيقي، كالواعظ الذي يجلس على كرسيّ الخطابة ويخاطب من حضر بين يديه بقوله: «يا أيّها الناس» أو لم يقارنه، كقول الشاعر: «يا كوكباً ما كان أقصر عمره»، فإنّ الأوّل خطاب إيقاعي قرين بخطاب حقيقي، والثاني خطاب إيقاعي صرف بداعي التحسّر والتأسّف والحزن، فما وضع له الأداة هو الخطاب الإنشائي، سواء كان بداعي الخطاب الحقيقي أم بداعٍ آخر.
كما هو الحال في حروف الاستفهام والترجّي والتمنّي وغيرها على ما حقّقناه في بعض المباحث السابقة، من كونها موضوعة للإيقاعي منها بدواعٍ مختلفة، فتارةً يكون إيقاع الاستفهام بداعي الاستعلام الحقيقي [٢]، واخرى بدواعٍ اخر، كالإنكار، والتقرير، ونحوهما، وكالاشتياق إلى التكلّم مع المخاطب، نحو قوله تعالى: «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى» [٣]، ضرورة أنّ حمله على الاستفهام الحقيقي يستلزم الجهل المستحيل في حقّه سبحانه.
وإنشاء التمنّي والترجّي في كلامه تعالى أيضاً كذلك، فإنّ التمنّي ناشٍ عن العجز، والترجّي عن الجهل، فلابدّ من أن يكون إنشائهما في كلامه سبحانه لأجل داعٍ آخر غير الحقيقي منهما.
نعم، لا يبعد دعوى انصراف هذه الأدوات في الحقيقي من الخطاب والاستفهام والتمنّي والترجّي إذا لم يكن هناك ما يمنع عنه، كما يمكن دعوى
[١] الحقيقي هاهنا في مقابل الإنشائي لا في مقابل المجازي. م ح- ى.
[٢] نحو «أين بيتك؟». م ح- ى.
[٣] طه: ١٧.