اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٢٠٢ - بيان ما يقتضيه التحقيق في المقام
ومن الآخر انحصاره فيه، فتتعارض الإطلاقات الأربعة وتكون النتيجة بعد تساقطها أنّ كلّ واحد من خفاء الأذان والجدران لا يؤثّر في وجوب القصر إلّا إذا انضمّ إليه الآخر، فكان كلّ منهما جزء العلّة لا تمامها، وكانت النتيجة هي الوجه الثالث المذكور في كلام المحقّق الخراساني رحمه الله.
إن قلت: بعد تعارض أصالتي الإطلاق اللتين يستفاد منهما انحصار العلّة وتساقطهما يبقى الإطلاقان اللذان يستفاد منهما تماميّتها سليمين من المعارض، فكلّ من الجملتين لا تدلّ على العلّيّة المنحصرة، لكنّها تدلّ على العلّيّة التامّة.
قلت: الإطلاق من جهة الانحصار في كلّ من الدليلين كما يعارض إطلاق الدليل الآخر من جهة الانحصار، كذلك يعارض إطلاقه من جهة التماميّة أيضاً، ضرورة استحالة كون خفاء الأذان علّة منحصرة لوجوب القصر وكون خفاء الجدران علّة تامّة له.
والحاصل: أنّ جميع الفروض مشتركة في عدم دلالة الجملتين على المفهوم، لكنّهما على الفرض الأخير لا تدلّان على العلّيّة التامّة أيضاً، بخلاف الفروض الثلاثة الاخرى، فإنّهما بناءً على هذه الفروض تدلّان على العلّيّة التامّة [١].
[١] لكنّ الإمام الخميني قدس سره ذهب إلى أنّهما لا تدلّان على العلّيّة التامّة على الفرض الأوّل أيضاً، إذ بعد تساقط أصالتي الحقيقة كما لا يكون لنا دليل على الانحصار لا يكون لنا دليل على التماميّة أيضاً، لدوران أمر الأداة حينئذٍ بين استعمالها في أحد المجازات الخمسة: العلّيّة التامّة، أو الأعمّ من الناقصة، أو مطلق الترتّب، أو اللزوم، أو الارتباط، ولا ترجيح لأحدها، وكون العلّة التامّة أقرب إلى المنحصرة واقعاً لا يكون مرجّحاً في تعيينها، لأنّ وجه التعيين هو الانس الذهني الذي يرجع إلى الظهور العرفي، وأمّا بناءً على الفرض الثاني- أعني الانصراف- فالساقط بسبب التعارض هو الانصرافان، ويكون أصالة الحقيقة في كلّ منهما محكّمة، فلو قلنا بوضع الأداة للعلّيّة التامّة لدلّت عليها، ولو قلنا بوضعها لمطلق الارتباط أو اللزوم أو الترتّب أو العلّيّة المطلقة الشاملة للعلّة الناقصة فلا دليل لنا على العلّيّة التامّة كما لا دليل على الانحصار.
هذا حاصل كلام الإمام رحمه الله في تهذيب الاصول ٢: ١٠٩.
وهو كلام متين، وملخّصه أنّ مقتضى الفرض الثالث- وهو استفادة العلّيّة المنحصرة من الإطلاق والقول بكون الأداة موضوعة للعلّيّة التامّة- دلالة الجملتين على العلّيّة التامّة، ومقتضى الفرض الأوّل- وهو وضع الأداة للعلّيّة المنحصرة- والأخير- وهو استفادة انحصار العلّة وتماميّتها كليهما من الإطلاق- عدم دلالتهما عليها، إذ بعد تساقط أصالتي الحقيقة في الأوّل والإطلاقات الأربعة في الأخير ليس لنا دليل على التماميّة كما ليس لنا دليل على الانحصار، ومقتضى الفرض الثاني- وهو مسألة الانصراف- دلالتهما عليها لو قلنا بوضع الأداة للعلّيّة التامّة كالفرض الثالث، وإلّا فلا.
ثمّ إنّه كلّما ليس لنا دليل لفظي على العلّيّة التامّة فلابدّ من الرجوع إلى الاصول العمليّة، والظاهر أنّ مقتضاها هو أصالة البراءة من الحكم المذكور في الجزاء إذا لم يتحقّق الشرطان معاً. م ح- ى.