الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٣٩٩ - مشروعية الوديعة بالأدلة الأربعة
و بنحو ذلك صرح جملة ممن تأخر عنه منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث قال: مقتضى كونه عقدا تركيبه من الإيجاب و القبول بالقولين، و مقتضى جوازه عدم انحصاره في عبارة، بل يكفى كل لفظ دل عليه، و لا يعتبر فيه التصريح، بل يكفى التلويح و الإشارة المفهمة لمعناه اختيارا، ثم قال بعد قول المصنف (رحمة الله عليه): و يكفى الفعل الدال على القبول، أطلق المصنف و جماعة أنه يكفى القبول الفعلي مع اعترافهم بكونه عقدا نظرا الى أن الغاية منه انما هو الرضا بالاستنابة، و ربما كان الفعل فيه أقوى من القبول، باعتبار التزامه و دخوله في ضمانه لو قصر، بخلاف القبول القولي، فإنه و ان لزمه ذلك شرعا الا أنه ليس صريحا في الالتزام من حيث أنه عقد جائز، فإذا فسخه و لم يكن قبضه لم يظهر أثره و اليد توجب الحفظ الى أن يرده الى مالكه، لعموم
«على اليد ما أخذت حتى تؤدى» [١].
و هذا حسن، الا أن فيه بعض الخروج عن حقيقة العقد، و من ثم ذهب بعض العلماء إلى أنها اذن مجرد، لا عقد، و فرع عليه عدم اعتبار القبول القولي، و آخرون الى أن الإيجاب ان كان بلفظ أو دعتك و شبهه مما هو على صيغ العقود وجب القبول لفظا، و ان قال احفظه و نحوه لم يفتقر الى القبول اللفظي، كالوكالة، و هو كلام موجه.
أقول: لا يخفى أن ما طولوا به الكلام في هذا المقام من أنه لا بد من عقد يشتمل على الإيجاب و القبول و الخلاف في القبول بكونه قوليا أو فعليا، و كذا الخلاف بكونه عقدا أو إذنا كله تطويل بغير طائل، إذ لا يظهر له عند التأمل و التحقيق ثمرة و لا حاصل، و الأمر في ذلك معروف بين جملة الناس من عالم و جاهل، فإنه لا خلاف و لا إشكال في أن من قصد غيره بمال ليودعه عنده، و جرى بينهما من الكلام ما يدل على الرضا بذلك، من الطرفين بحيث لا يتوهم كونه هدية و لا عطية و لا بيعا، و لا نحو ذلك ترتب عليه أحكام الوديعة شرعا، سواء
[١] المستدرك ج ٢ ص ٥٠٤ ح ١٢.