تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٨١ - سورة الدّخان
يفصّل و يكتب «كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» كلّ شأن ذي حكمة أي: مفعول على ما تقتضيه الحكمة من أرزاق العباد و آجالهم و غير ذلك من أمور السّنة إلى اللّيلة الأخرى القابلة. و وصف الأمر بالحكيم مجاز؛ لأنّ الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة. و قوله: «إِنََّا كُنََّا مُنْذِرِينَ» «فِيهََا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» جملتان مستأنفتان ملفوفتان [١] ، فسّر بهما جواب القسم؛ كأنّه قيل: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ ؛ لأنّ من شأننا الإنذار. و أنزلناه فى هذه اللّيلة خصوصا، لأنّ إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، و هذه اللّيلة مفرق كلّ أمر حكيم. } «أَمْراً مِنْ عِنْدِنََا» نصب على الاختصاص. أي:
أعنى أمرا حاصلا من عندنا على ما اقتضته حكمتنا و تدبيرنا. و يجوز أن يراد به الأمر ضدّ النّهى، فوضع موضع مصدر يفرق، من حيث أنّ الأمر و الفرقان واحد؛ لأنّ من حكم بالشيء و كتبه، فقد أمر به و أوجبه. أو جعل حالا من أحد الضّميرين فى أَنْزَلْنََاهُ ؛ أي: أنزلناه في حال كونه أمرا بما يجب أن يفعل أو أنزلناه آمرين «إِنََّا كُنََّا مُرْسِلِينَ» يجوز أن يكون بدلا من إِنََّا كُنََّا مُنْذِرِينَ و «رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» مفعول له، و المعنى: إنّا أنزلنا القرآن؛ لأنّ من شأننا إرسال الرّسل بالكتب إلى عبادنا، لأجل الرّحمة عليهم، و أن يكون تعليلا لـ «يُفْرَقُ» و لقوله «أَمْراً مِنْ عِنْدِنََا» و رَحْمَةً مفعولا به؛ أي: يفرق في هذه اللّيلة كلّ أمر، أو تصدر الأوامر من عندنا؛ لأنّ من عادتنا أن نرسل رحمتنا، و فصل كلّ أمر من قسمة الأرزاق و غيرها من باب الرّحمة. و كذلك الأوامر الصّادرة من جهته عزّ و جلّ؛ لأنّ الغرض فى [٢] تكليف العباد تعريضهم للمنافع.
و الأصل: إِنََّا كُنََّا مُرْسِلِينَ رحمة منّا فوضع الظّاهر موضع المضمر إيذانا [٣] بأنّ الرّبوبيّة تقتضى الرّحمة على المربوبين «إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ» و ما بعده تحقيق لربوبيّته و أنّها لا تحقّ إلاّ
[١]قوله (ملفوفتان) لعله من اللّف و النشر المقرّر فى البيان، و بيانه ما بعده. الكشاف: ٤/٢٧٠
[٢]ب: من
[٣]الف: انذارا