تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٥٦ - سورة حم عسق
«مِنَ اَللََّهِ» من صلة «لاََ مَرَدَّ» أي: لا يردّه اللّه بعد ما حكم به. أو من صلة يأتى، أي:
«مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ» من اللّه يَوْمٌ لا يقدر أحد على ردّه. و النّكير: الإنكار و التّغيير. }و المراد بالإنسان هنا الجمع لا الواحد؛ لقوله «وَ إِنْ تُصِبْهُمْ» و المعنىّ بهم المجرمون، لأنّ إصابة السّيّئة «بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» لا يستقيم إلاّ فيهم. و المراد بالرّحمة النّعمة، من الصّحّة و العافية و الغنى و الأمن. و بالسّيّئة البلاء، من القحط و المرض و الفقر و المخاوف. و الكفور البليغ فى الكفران. و لم يقل: فإنّه كفور؛ ليسجّل على أنّ هذا الجنس موسوم بكفران النّعم، كما قال:
«إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَظَلُومٌ كَفََّارٌ [١] » ، «إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [٢] » أي: يذكر البلاء و ينسى النّعم. }و لمّا ذكر سبحانه إذاقة الإنسان الرّحمة و إصابته بضدّها، عقّب ذلك بأنّ له «مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» و أنّه يقسم كيف يشاء [٣] النّعمة [٤] و البلاء و «يَهَبُ» كيف أراد لعباده الأولاد، فيخصّ بعضهم بالإناث، و بعضهم بالذّكور، و بعضهم بالصّنفين جميعا، و يعقم منهم من يشاء، فلا يهب له ولدا} «وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ» و ما صحّ لأحد من البشر «أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ» على أحد ثلثة أوجه: إمّا على طريق الوحى، و هو الإلهام و القذف فى القلب أو المنام، كما أوحى إلى أمّ موسى و إلى إبراهيم فى ذبح ولده، و أوحى إلى داود الزّبور فى صدره. و إمّا أن يسمعه كلامه الّذى يحدثه فى بعض الأجرام من غير أن يبصر السّامع من يكلّمه، لأنّه فى ذاته غير مرئىّ. و قوله «مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ» مثل؛ أي: كما يكلّم الملك المحتجب بعض خواصّه و هو من وراء حجاب فيسمع صوته و لا يرى شخصه، و ذلك كما كلّم سبحانه موسى [٥] و يكلّم الملائكة. و إمّا على أن «يُرْسِلَ» إليه «رَسُولاً» من الملائكة «فَيُوحِيَ» الملك إليه، كما كلّم غير
[١]إبراهيم: ٣٤
[٢]العاديات: ٦
[٣]ب، د: شاء
[٤]د، هـ: النّعم
[٥]د: عليه السّلام