تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٢١ - ذكر الخبر عن بناء مدينه بغداد
في سنه خمس و اربعين و مائه، و قد خرجت فجلست مع الربيع و اصحابه، إذ جاء رجل، فجاوز الحرس الى المقصورة، فاستأذن فأذنا المنصور به، و كان معه سلم بن ابى سلم، فاذن له فخبره بخروج محمد، فقال المنصور:
نكتب الساعة الى مصر ان يقطع عن الحرمين المادة، ثم قال: انما هم في مثل حرجه، إذا انقطعت عنهم المادة و الميرة من مصر قال: و امر بالكتاب الى العباس بن محمد- و كان على الجزيرة يخبره بخبر محمد- و قال: انى راحل ساعه كتبت الى الكوفه، فامدنى في كل يوم بما قدرت عليه من الرجال من اهل الجزيرة و كتب بمثل ذلك الى أمراء الشام، و لو ان يرد على في كل يوم رجل واحد اكثر به من معى من اهل خراسان، فانه ان بلغ الخبر الكذاب انكسر قال: ثم نادى بالرحيل من ساعته، فخرجنا في حر شديد حتى قدم الكوفه، ثم لم يزل بها حتى انقضت الحرب بينه و بين محمد و ابراهيم، فلما فرغ منهما رجع الى بغداد و ذكر عن احمد بن ثابت، قال: سمعت شيخا من قريش يحدث ان أبا جعفر لما فصل من بغداد، متوجها نحو الكوفه، و قد جاءه البريد بمخرج محمد بن عبد الله بالمدينة، نظر اليه عثمان بن عماره بن حريم و إسحاق بن مسلم العقيلي و عبد الله بن الربيع المدانى- و كانوا من صحابته- و هو يسير على دابته و بنو ابيه حوله فقال عثمان: أظن محمدا خائبا و من معه من اهل بيته، ان حشو ثياب هذا العباسي لمكر و نكر و دهاء، و انه فيما نصب له محمد من الحرب لكما قال ابن جذل الطعان:
فكم من غاره و رعيل خيل* * * تداركها و قد حمى اللقاء
فرد مخيلها حتى ثناها* * * باسمر ما يرى فيه التواء
قال: فقال إسحاق بن مسلم: قد و الله سبرته و لمست عوده فوجدته خشنا، و غمزته فوجدته صليبا، و ذقته فوجدته مرا، و انه و من حوله من بنى ابيه لكما قال ربيعه بن مكدم:
سما لي فرسان كان وجوههم* * * مصابيح تبدو في الظلام زواهر