تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٧٥ - ذكر خلاف اهل الأردن و فلسطين
كلبا، و يدفع عشره آلاف دينار و ديه كلثوم بن عمير و هانئ بن بشر، فاقبلا الى يزيد، فلقيه عامل لسليمان على نوبه من نوائب الحرس، فاخذ بلحيته فهزها، و نتف بعضها- و كان من اعظم الناس لحيه و اصغرهم قامه- فادخلاه على يزيد، فقبض على لحيه نفسه- و انها حينئذ لتجوز سرته- و جعل يقول: نتف و الله يا امير المؤمنين لحيتي، فما بقي فيها شعره فامر به يزيد فحبس في الخضراء، فدخل عليه محمد بن راشد، فقال له: اما تخاف ان يطلع عليك بعض من قد وترت، فيلقى عليك حجرا! فقال: لا و الله ما فطنت الى هذا، فنشدتك الله الا كلمت امير المؤمنين في تحويلي الى مجلس غير هذا، و ان كان اضيق منه! قال: فاخبرت يزيد، فقال:
ما غاب عنك من حمقه اكثر، و ما حبسته الا لاوجهه الى العراق، فيقام للناس، و تؤخذ المظالم من ماله و دمه.
و لما قتل يزيد بن الوليد الوليد بن يزيد، و وجه منصور بن جمهور الى العراق كتب يزيد بن الوليد الى اهل العراق كتابا يذكر فيه مساوئ الوليد، فكان مما كتب به- فيما حدثنى احمد بن زهير عن على بن محمد: ان الله اختار الاسلام دينا و ارتضاه و طهره، و افترض فيه حقوقا امر بها، و نهى عن امور حرمها، ابتلاء لعباده في طاعتهم و معصيتهم، فأكمل فيه كل منقبه خير و جسيم فضل، ثم تولاه، فكان له حافظا و لأهله المقيمين حدوده وليا، يحوطهم و يعرفهم بفضل الاسلام، فلم يكرم الله بالخلافة أحدا يأخذ بأمر الله و ينتهى اليه فيناوئه احد بميثاق او يحاول صرف ما حباه الله به، او ينكث ناكث، الا كان كيده الاوهن، و مكره الابور، حتى يتم الله ما اعطاه، و يدخر له اجره و مثوبته، و يجعل عدوه الأضل سبيلا، الاخسر عملا.
فتناسخت خلفاء الله ولاه دينه، قاضين فيه بحكمه، متبعين فيه لكتابه، فكانت لهم بذلك من ولايته و نصرته ما تمت به النعم عليهم، قد رضى الله بهم لها حتى توفى هشام