تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١١٦ - ذكر غزو الترك و مقتل خاقان
انه لا يقطع اليهم و بينهم و بينه النهر، فلما نظر خاقان الى النهر امر الاشكند- و هو يومئذ اصبهبذ نسف- ان يسير في الصف حتى يبلغ أقصاه، و يسال الفرسان و اهل البصر بالحرب و الماء: هل يطاق قطوع النهر و الحمل على اسد؟ فكلهم يقول: لا يطاق، حتى انتهى الى الاشتيخن، فقال:
بلى يطاق، لأنا خمسون الف فارس، فإذا نحن اقتحمنا دفعه واحده رد بعضنا عن بعض الماء فذهب جريته قال: فضربوا بكوساتهم فظن اسد و من معه انه منهم وعيد، فاقحموا دوابهم، فجعلت تنخر أشد النخير، فلما راى المسلمون اقتحام الترك ولوا الى العسكر، و عبرت الترك فسطع رهج عظيم لا يبصر الرجل دابته، و لا يعرف بعضهم بعضا، فدخل المسلمون عسكرهم و حووا ما كان خارجا، و خرج الغلمان بالبراذع و العمد، فضربوا وجوه الترك، فأدبروا، و بات اسد، فلما اصبح- و قد كان عبا اصحابه من الليل تخوفا من غدر خاقان و غدوه عليه، و لم ير شيئا- دعا وجوه الناس فاستشارهم، فقالوا له: اقبل العافيه، قال: ما هذه عافيه، بل هي بليه، لقينا خاقان أمس فظفر بنا و أصاب من الجند و السلاح، فما منعه منا اليوم الا انه قد وقع في يديه اسراء فاخبروه بموضع الاثقال امامنا، فترك لقاءنا طمعا فيها فارتحل فبعث امامه الطلائع، فرجع بعضهم فاخبره انه عاين طوقات الترك و اعلاما من اعلام الاشكند، في بشر قليل فسار و الدواب مثقلة، فقيل له: انزل ايها الأمير و اقبل العافيه، قال: و اين العافيه فأقبلها! انما هي بليه و ذهاب الأنفس و الأموال فلما امسى اسد صار الى منزل، فاستشار الناس: ا ينزلون أم يسيرون؟ فقال الناس: اقبل العافيه، و ما عسى ان يكون ذهاب المال بعافيتنا و عافيه اهل خراسان! و نصر بن سيار مطرق، فقال اسد: ما لك يا بن سيار مطرقا لا تتكلم! قال: اصلح الله الأمير! خلتان كلتاهما لك، ان تسر تغث من مع الاثقال و تخلصهم، و ان أنت انتهيت اليهم و قد هلكوا فقد قطعت قحمه لا بد من قطوعها فقبل رايه و سار يومه كله