تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٣ - خبر غزو مسلم بن سعيد الترك
يتخلفون بعدي مخلقى الرقاب، يتواثبون الجدران على نساء المجاهدين، اللهم افعل بهم و افعل! و قد امرت نصرا الا يجد متخلفا الا قتله، و ما ارثى لهم من عذاب ينزله الله بهم- يعنى عمرو بن مسلم و اصحابه- فلما صار ببخارى أتاه كتاب من خالد بن عبد الله القسرى بولايته على العراق، و كتب اليه: اتمم غزاتك فسار الى فرغانه، فقال ابو الضحاك الرواحي- احد بنى رواحه من بنى عبس، و عداده في الأزد، و كان ينظر في الحساب: ليس على متخلف العام معصية، فتخلف اربعه آلاف.
و سار مسلم بن سعيد، فلما صار بفرغانه بلغه ان خاقان قد اقبل اليه، و أتاه شميل- او شبيل- بن عبد الرحمن المازنى، فقال: عاينت عسكر خاقان في موضع كذا و كذا، فأرسل الى عبد الله بن ابى عبد الله الكرماني مولى بنى سليم، فأمره بالاستعداد للمسير، فلما اصبح ارتحل بالعسكر، فسار ثلاث مراحل في يوم، ثم سار من غد حتى قطع وادي السبوح فاقبل اليهم خاقان، و توافت اليه الخيل، فانزل عبد الله بن ابى عبد الله قوما من العرفاء و الموالي، فاغار الترك على الذين انزلهم عبد الله ذلك الموضع فقتلوهم، و أصابوا دواب لمسلم و قتل المسيب بن بشر الرياحي، و قتل البراء- و كان من فرسان المهلب- و قتل أخو غوزك و ثار الناس في وجوههم، فاخرجوهم من العسكر، و دفع مسلم لواءه الى عامر بن مالك الحماني، و رحل بالناس فساروا ثمانية ايام، و هم مطيفون بهم، فلما كانت الليلة التاسعه اراد النزول، فشاور الناس فأشاروا عليه بالنزول، و قالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء، و الماء منا غير بعيد، و انك ان نزلت المرج تفرق الناس في الثمار، و انتهب عسكرك، فقال لسوره بن الحر: يا أبا العلاء، ما ترى؟ قال: ارى ما راى الناس و نزلوا قال: و لم يرفع بناء في العسكر، و احرق الناس ما ثقل من الانيه و الأمتعة، فحرقوا قيمه الف الف و اصبح الناس فساروا، فوردوا الماء فإذا دون النهر اهل فرغانه و الشاش، فقال مسلم بن سعيد: اعزم على كل رجل الا اخترط سيفه، ففعلوا فصارت الدنيا كلها سيوفا، فتركوا الماء و عبروا، فأقام يوما،