تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦١٨ - ذكر الخبر عن بناء مدينه بغداد
امتنع اهل الرقة، و أرادوا محاربته، و قالوا: تعطل علينا أسواقنا، و تذهب بمعاشنا، و تضيق منازلنا، فهم بمحاربتهم، و بعث الى راهب في الصومعة، فقال: هل عندك علم ان يبنى هاهنا مدينه؟ فقال له: بلغنى ان رجلا يقال له مقلاص يبنيها، قال: انا مقلاص، فبناها على بناء مدينه بغداد، سوى السور و أبواب الحديد و خندق منفرد.
و ذكر عن السرى، عن سليمان بن مجالد، ان المنصور وجه في حشر الصناع و الفعله من الشام و الموصل و الجبل و الكوفه و واسط و البصره، فاحضروا، و امر باختيار قوم من ذوى الفضل و العدالة و الفقه و الأمانة و المعرفة بالهندسه، فكان ممن احضر لذلك الحجاج بن ارطاه و ابو حنيفه النعمان بن ثابت، و امر بخط المدينة و حفر الأساسات، و ضرب اللبن و طبخ الاجر، فبدئ بذلك، و كان أول ما ابتدى به في عملها سنه خمس و اربعين و مائه.
و ذكر ان المنصور لما عزم على بنائها أحب ان ينظر إليها عيانا، فامر ان يخط بالرماد، ثم اقبل يدخل من كل باب، و يمر في فصلانها و طاقاتها و رحابها، و هي مخطوطة بالرماد، و دار عليهم ينظر اليهم و الى ما خط من خنادقها، فلما فعل ذلك امر ان يجعل على تلك الخطوط حب القطن، و ينصب عليه النفط، فنظر إليها و النار تشتعل، ففهمها و عرف رسمها، و امر ان يحفر اساس ذلك على الرسم، ثم ابتدئ في عملها.
و ذكر عن حماد التركى ان المنصور بعث رجالا يطلبون له موضعا يبنى فيه المدينة، فطلبوا ذلك في سنه اربع و اربعين و مائه، قبل خروج محمد بن عبد الله بسنه او نحوها، فوقع اختيارهم على موضع بغداد، قريه على شاطئ الصراة، مما يلى الخلد، و كان في موضع بناء الخلد دير، و كان في قرن الصراة مما يلى الخلد من الجانب الشرقى أيضا قريه و دير كبير كانت تسمى سوق البقر، و كانت القرية تسمى العتيقة، و هي التي افتتحها المثنى بن حارثة الشيبانى، قال: و جاء المنصور، فنزل الدير الذى في موضع الخلد على الصراة، فوجده قليل البق، فقال: هذا موضع ارضاه، تأتيه الميرة من