تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٨ - ذكر ولايه خالد القسرى على العراق
اقرا و لا اكتب، اصلح الله الأمير! فضرب بيده على جبينه، و قال: انا لله و انا اليه راجعون! سقط منك تسعه اعشار ما كنت أريده منك، و بقي لك واحده فيها غنى الدهر قال: قلت: ايها الأمير، هل في تلك الواحدة ثمن غلام؟ قال: و ما ذا حينئذ! قلت: تشترى غلاما كاتبا تبعث به الى فيعلمني، قال: هيهات! كبرت عن ذلك، قال: قلت: كلا، فاشترى غلاما كاتبا حاسبا بستين دينارا، فبعث به الى، فاكببت على الكتاب، و جعلت لا آتيه الا ليلا، فما مضت الا خمس عشره ليله حتى كتبت ما شئت و قرات ما شئت قال: فانى عنده ليله، إذ قال: ما ادرى هل انجحت من ذلك الأمر شيئا؟ قلت: نعم، اكتب ما شئت، و اقرا ما شئت، قال:
انى أراك ظفرت منه بشيء يسير فأعجبك، قلت: كلا، فرفع شاذ كونه، فإذا طومار، فقال: اقرا هذا الطومار، فقرات ما بين طرفيه، فإذا هو من عامله على الري، فقال: اخرج فقد وليتك عمله، فخرجت حتى قدمت الري، فأخذت عامل الخراج، فأرسل الى: ان هذا اعرابى مجنون، فان الأمير لم يول على الخراج عربيا قط، و انما هو عامل المعونة، فقل له:
فليقرنى على عملي و له ثلاثمائة الف، قال: فنظرت في عهدي، فإذا انا على المعونة، فقلت: و الله لا انكسرت، ثم كتبت الى خالد: انك بعثتني على الري، فظننت انك جمعتها لي فأرسل الى صاحب الخراج ان اقره على عمله و يعطيني ثلاثمائة الف درهم فكتب الى ان اقبل ما أعطاك، و اعلم انك مغبون فاقمت بها ما اقمت، ثم كتبت: انى قد اشتقت إليك فارفعني إليك، ففعل، فلما قدمت عليه ولانى الشرطه.
و كان العامل في هذه السنه على المدينة و مكة و الطائف عبد الواحد بن عبد الله النضري و على قضاء الكوفه حسين بن حسن الكندى، و على قضاء البصره موسى بن انس و قد قيل ان هشاما انما استعمل خالد بن عبد الله القسرى على العراق و خراسان في سنه ست و مائه، و ان عامله على العراق و خراسان في سنه خمس و مائه كان عمر بن هبيرة.