تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٢٢ - عرب عرب
نُسِبَت العرَب إِليهَا هِي جَزِيرة العرَب ، عَلَى ما في المَرَاصِد و غيره، و بِالعَرَب هم أُصُولُ القَبَائِل، فلا إِشكالَ، إِذْ هم لم يَخْرُجُوا مِنَ الجَزِيرَةِ، و الذي خَرَجَ من عَمَائِرهم إِنَّمَا خرَج في العَهْد القَرِيب و هم قَليل، و غَالِبُهم في مواطنهم فيها، و أَمَّا الشُّعوبُ و القَبَائِلُ التي تفرَّعَتْ فِيمَا بَعْد فهم خَارِجون عَن البَحْثِ، و كذلك إِن كان المرادُ بها مَكّة و سَاحَاتِهَا، فإِنّ طسمَ و جَدِيسَ و عِمْلِيقَ و جُرْهُمَ سَكَنُوا الحَرَم وَ هُم العَرَبُ العَارِبَة ، و منهم تَعَلَّم سيدُنا إِسماعِيل عليه السلام اللسانَ العَرَبِيَّ . و عادٌ و ثمودُ و أُميم و عَبيل وَ وَبار، و هم العرب العاربة ، نزلوا الأَحقَافَ وَ مَا جَاورَها و هي تِهَامَةُ على قَوْل من فَسَّر عربَة بِتهَامَة، فَهؤلاء أُصُولُ قَبَائِل العرَبِ العَارِبَةِ التي أَخذَت المُسْتَعُرِبَةُ مِنْهم اللِّسَانَ قَد نَزَلُوا ساحَاتِ الحَرَم، و منهم تَفَرَّعَت القَبَائلُ فيما بعد و تَشَتَّتَتْ، فبقي هذا اللفظُ عَلَمَاً عليهم لسُكْنى آبَائِهم و جُدُودهِم فيها و إِن لم يَسْكُنُوا هم، و قد أَسلفْنَا كلامَ الأَزْهَرِيّ و غَيْرِه و هو يُؤَيِّد ما ذكرنَاه، ثم إِن قول المصنف: أَقامت قريش إِلى آخره. و في التهذيب و غيره: أَقامت بَنُو إِسماعيل، و على القَوْلين تَخْصِيصُهما دُون القَبَائل إِنما هو لشرفِهِما و رِياسَتِهِما على سَائِر العرب فصارَ الغَيْرُ كالتَّبَع لهما، فلا يقال: كان الظاهر أَن تُسَمَّى بها قريش فقط، و يدُلّ لمَا قُلنا أَيضاً ما قَدَّمْنا أَنَّه يُقَال رَجُل عَرَبيّ إِذا كان نسبُه في العَرَب ثابِتاً و إِن لم يَكُن فَصيحاً، و مَنْ نَزَلَ بلاد الرِّيف و استوطَن المُدُن و القُرَى العَربِيَّة و غيرَهمَا مِمَّا يَنْتَمِي إِلى العَرَب فَهُم عَرَب و إِن لم يكُونُوا فُصَحَاءَ، و كَذَا ما قَدَّمنا أَنّ كلَّ مَنْ سكن بلاد العَرَب و جَزِيرَتَهَا و نَطَق بِلِسَانِ أَهلِها فَهُم عَرب ، يَمَنُهم وَ مَعَدُّهُم.
و عرَبَةُ التي نُسِبَت إِليها العربُ اختُلفَ فيها، فقال إِسحاقُ بنُ الفَرَج: هِيَ بَاحَةُ العَرَبِ أَي ساحتهم و بَاحَةُ دَارِ أَبِي الفَصَاحَة سيدنا إِسْمَاعِيل عَلَيْه السَّلاَم و المرادُ بذلك مَكَّة و سَاحَاتُهَا. و قَال بعضهم: هِيَ تِهَامة و قد تَقدَّمت الإِشَارَة إِليه. و في مراصِد الاطّلاعِ: إنّها اسمُ جَزِيرَة العَرَب و اضطُرَّ الشَّاعِرُ إِلَى تَسْكِين رَائِها أَي من عَرَبَة فَقَالَ مُشِيراً إِلى أَنَّ عربَة هي مَكَّةُ و سَاحاتُها:
وَ عَرْبَةُ أَرْضٌ ما يُحِلُّ حَرَامَها [١] # مِنَ النَّاسِ إِلاَّ اللَّوْذَعِيُّ الحُلاَحِلُ
يَعْنِي الشاعِرُ باللَّوذعيِّ الحُلاَحِل النَّبِيَّ صلى اللّه عليه و سلم فإِنَّه أُحِلّت له مكةُ ساعة من نهار ثم هِيَ حَرَامٌ إِلى يوم القيامة.
و العَرَبَاتُ مُحَرَّكة: بِلادُ العرب ، كما في المراصد، و وجدت له شاهداً في لسان العرب :
و رُجَّتْ [٢] باحَةُ العَرَبَات رَجّاً # تَرَقْرَقُ في مَنَاكِبِها الدِّمَاءُ
و يَدُلُّ له قولُ الأَزْهَرِيّ ما نَصُّه و الأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُم سُمُّوا عرباً باسْمِ بَلَدِهِم العَرَبَات ، و قد أَغفَلَه المصنف.
و العَرَبَاتُ أَيضاً: طَرِيقٌ في جَبَل بِطَرِيقِ مِصْرَ نَقَلَه الصّاغانيّ.
و العَرَبَات : سُفُنٌ رواكِدُ كَانَتْ في دجْلَةَ [٣] النَّهْرِ المعْرُوف، وَاحِدتها عَرَبَة .
و قولهم: مَابِهَا أَي بالدَّارِ عَرِيبٌ و مُعْرِبٌ أَي أَحَدٌ ، الذكَرُ و الأُنثى فيه سواءٌ، و لا يُقَال في غَيْرِه النَّفْيِ.
و العُرْبَانُ كعُثْمان و العُرْبُونُ بضَمِّهِما و العَرَبُونُ ، مُحَرَّكَةً و قَد تُبْدَلُ عَيْنُهُنَّ هَمْزَةً على الأَصْل المَنْقُول منه، نَقَلَه الفِهْرِيّ في شَرْح الفَصِيح عن أَبِي عُبَيْد في الغَرِيب و نقله أَيضاً عن ابْنِ خَالَوَيْهِ، و قد تُحذَف الهَمْزةُ فيُقَال فيه الرَّبُون كأَنَّه من رَبَن، حَكاهُ ابْنُ خَالَوَيْه و أَوْرَده المُصَنِّف هناك، فهِي سَبْعُ لُغَات، و نقل شيخُنَا عن أَبِي حَيَّان لُغَةً ثَامِنَة و هي العَرْبُون ، بفتح فسكون فضم. قلت: و هي لُغَةٌ عَامِّيَّة، و قد صرح أَبو جَعْفَر اللَّبْلِيّ بمَنْعِهَا في شَرْح الفَصِيح مما نَقَله عن خَطّ ابنِ هشَام، و صَرّح الكَمَالُ الدِّمِيرِيّ في شَرْح المِنْهَاج بأَنَّه لفظٌ مُعَرَّب ليسَ بعربيّ ، و نَقلَه عن الأَصمَعِيّ القَاضي عِياضٌ و الفَيُّومِيُّ و غيرهُمَا، و أَورَدَه الخَفَاجيُّ في شِفَاءَ الغَلِيل فيمَا في لغة العَرَب من الدَّخِيل، و حَكَى ابنُ عُدَيْس لُغَةً تَاسِعَةً قال: نقلتُ من خَطّ ابن السّيد، قال:
أَهلُ الحِجَاز يقولون: أُخِذَ مِنّي عُرُبَّان بضمَّتَيْنِ و تَشْدِيد الموحَّدة، نقَله بعضُ شُرَّاح الفَصِيح، قاله شيخُنَا، و نَقَل أَيضاً عن بعض شُرُوح الفَصيح أَنه مشْتَقٌّ من التَّعْرِيب الذي هُوَ البَيَان؛ لأَنَّه بَيَان للبَيْع.
[١] صدره في معجم البلدان: و عربة دار لا يحل حرامها. و نسب البيت لأبي طالب بن عبد المطلب.
[٢] كذا في اللسان، و في معجم البلدان: «ورَجّتْ».
[٣] في معجم البلدان: و العربة بلغة أهل الجزيرة: السفينة التي تعمل فيها رحًى في وسط الماء الجاري مثل دجلة... يديرها شدة جرية.