تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٢٠ - عرب عرب
و هؤُلاء الأَنْبِيَاءُ كُلُّهم كانُوا يَسُكُنُون بلاَدَ عَرَبَة ، فكان شُعَيْبٌ و قومُه بأَرْضِ مَدْيَن، و كان صَالِح و قومُه بأَرْضِ ثَمُودَ، ينزِلون بناحِيَة الحِجْر، و كانَ هُودٌ و قومُه عادٌ يَنْزِلُون الأَحْقَافَ مِنَ رِمَال اليَمَن، و كَانَ إِسمَاعِيلُ بْنُ إِبراهِيمَ و النَّبِيّ المُصْطَفَى صَلَّى اللََّه عليهما من سُكَّان الحَرَم. و كُلّ من سَكَن بلادَ العَرَب و جَزِيرَتَهَا و نَطَق بلِسَان أَهْلِهَا فهم عَرَبٌ ، يَمَنُهم وَ مَعَدُّهم.
قال الأَزْهَرِيّ: وَ أَقَامَتْ قُرَيْشٌ بِعَرَبَة فتَنَّخَتْ بِهَا، و انْتَشَرَ سَائِرُ العَرَب في جَزِيرَتها فنُسِبَتِ العَرَبُ كُلُّهم إِلَيْهَا ، لأَنَّ أَبَاهم إِسْمَاعِيل، صلى اللّه عليه و سلم، بها نَشَأَ و رَبَلَ أَولاَدُه فِيهَا فَكَثروا، فَلَمَّا لم تَحْتَمِلْهم البِلاَد انْتَشَرُوا، فأَقَامت قُرَيْشٌ بِهَا. و ١٧- رُوِيَ عن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللََّهُ عَنْه قَال : قُرَيْشٌ هم أَوْسَطُ العَرَب في العَرَب داراً و أَحْسَنُه جِوَاراً، و أَعْرَبُه أَلْسِنَةً. و قد تَعَقَّب شَيْخُنَا هَاهُنَا المُؤَلِّفَ بأُمُورٍ:
الأَوَّلُ المَعْرُوفُ في أَسْمَاءِ الأَرَضينَ أَنّها تُنْقَل من أَسْمَاءِ سَاكِنيهَا أَو بَانِيها أَو مِن صِفَة فِيهَا أَو غَيْرِ ذلك. و أَما تَسْمِيَةُ النَّاسِ بالأَرْضِ و نَقْلُ اسْمِهَا إِلَى مَنْ سَكَنَهَا أَو نَزَلَهَا دون نِسْبَة فَغَيْرُ معروفٍ و إِنْ وَقَع في بَعْضِ الأَفْرَاد كَمَذْحِج، عَلَى رأْي.
و الثَّانِي أَنَّ قولَهم سُمِّيَت العَرَبُ باسْمِها لنُزُولِهِم بِهَا صَرِيحٌ بأَنَّها كانَتْ مُسمَّاةً بذلك قَبْل وُجُودِ العَرب وَ حُلُولِهم الحِجَازَ و ما وَالاَه مِن جَزِيرَة العَرَب ، و المعروفُ في أَراضِي العَرَبِ أَنَّهم هُمُ الَّذِين سَمَّوْهَا و لَقَّبُوا بُلدانَها و مِيَاهَا و قُرَاهَا و أَمْصَارَهَا و بَادِيَتَهَا و حَاضِرَتَها بِسَبَبٍ مِنَ الأَسْباب، كَمَا هُوَ الأَكْثَر، و قد يَرْتَجِلُون الأَسْمَاءَ و لا يَنْظُرُون لِسَبَب.
و الثَّالِثُ أَنَّ ما ذُكِر يَقْتَضِي أَنَّ العَرَب إِنَّما سُمِّيَت بِذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهَا فِي هَذِه القَرْيَة و المَعْرُوفُ تَسْمِيَتُهُم بِذلِك في الكُتُب السَّالِفَة، كالتَّوْرَاةِ و الإِنْجِيلِ و غَيْرِهِما، فكَيْفَ يُقَالُ إِنهُم إِنَّمَا سُمُّوا بَعْدَ نُزُولهم هَذِه القَرْيَة.
و الرَّابِعُ أَنَّهُم ذُكِرُوا مَع بَقَايَا أَنْوَاع الخَلْق، كالفُرْسِ و الرُّومِ و التُّرْك و غَيْرِهِم، و لم يَقُل فيهم أَحَدٌ إِنهم سُمُّوا بأَرْضٍ أَو غَيْرِهَا، بَلْ سُمُّوا ارتِجَالاً، لا لِصَفَةٍ أَو هَيْئة أَو غَيْرِ ذلِك، فالعَرَب كذلك.
و الخَامِسُ أَنَّ المعروفَ في المَنْقُولِ أَنْ يَبْقَى على نَقْلِه على التَّسْمِيَة، و إِذا غُيِّر إِنَّمَا يُغَيَّر تَغْيِيراً جُزْئِيّاً للتَّمْيِيزِ بَيْنَ المَنْقُول و المَنْقُولِ عَنْه فِي الجُمْلَة، و المَنْقُولُ هنا أَوْسَعُ دائِرَةً مِن المنقول عَنْه من جِهَاتٍ ظَاهِرَة، ككَوْنِ أَصْلِ المَنْقُول عَنْه سَرَبَةً بالهَاءِ، و لا يُقَال ذلِكَ في المَنْقُولِ، و كَكَوْنِهِم تَصَرَّفُوا فيه بلُغَات لا تُعْرَف و لا تُسْمَع في المَنْقُولِ، عنه، فقَالُوا عَرَبٌ ، مُحَرَّكَة، و عُرْب ، بالضَّم، و عُرُبٌ ، بضَمَّتَيْن، و أَعْرَابٌ و أَعْرَابِيٌّ ، و غَيْرُ ذلك.
و السَّادِسُ أَنَّ العَرَب أَنْوَاعٌ و أَجْنَاسٌ و شُعُوبٌ و قَبَائِلُ مُتَفَرّقُونَ في الأَرْضِ، لاَ يَكَادُ يَأْتِي عليهم الحَصْرُ، و لا يُتَصَوَّر سُكْنَاهم كُلِّهم في هَذِه القَرْيَة أَو حُلُولُهم فِيهَا، فكَانَ الأَوْلَى أَن يُقْتَصَرَ بالتَّسْمِية على مَنْ سَكَنَها دُونَ غَيْرِه.
ثم أَجَابَ بِمَا حَاصِلُه: أَنَّ إِطْلاَقَ العَرَب عَلَى الجِيلِ المَعْرُوف لا إِشْكَالَ أَنَّه قَدِيم كغيره من أَسْمَاءِ بَاقِي أَجْنَاسِ الناس و أَنْوَاعهم، وَ هُو اسْمٌ شَامِل لِجَمِيع القَبَائِل و الشُّعُوبِ، ثم إِنَّهم لَمَّا تَفَرَّقُوا في الأَرَضِين و تَنَوَّعت لَهُم أَلقابٌ و أَسماءٌ خَاصّة باخْتِلاف ما عرضت من الآباءِ و الأُمهات و الحالات التي اخْتَصَّت بِهَا كقُرَيْشٍ مَثَلاً و ثَقيفٍ و رَبِيعَةَ و مُضَر و كِنَانة و نِزَار و خُزَاعة و قُضَاعَة و فَزَارة و لِحْيَان و شَيْبَان و هَمْدان و غَسَّان و غَطَفَان و سَلْمَان و تَمِيم و كَلْب و نُمير و إِيَاد وَ وَداعَة و بَجِيلَة و أَسْلَم و يَسْلَم و هُذَيْل و مُزَيْنَة و جُهَيْنة و عَامِلَة و بَاهِلَة و خَثْعَم و طَيِّئ و الأَزْد و تَغْلِب و قَيْس و مَذْحِج و أَسد و عَنْبس و عَنْس وَ عَنَزَة و نَهْد و بَكْر و ذُؤَيْب و ذُبْيَان و كِنْدَة و لَحمْ و جُذَام و ضَبَّة و ضِنَّة و سَدُوس و السَّكُون وَ تَيْم و أَحْمَسَ و غَيْرِ ذلك، فأَوْجَب ذلِك تمييز كُلِّ قَبِيلَة باسْمِهَا الخَاصّ، و تُنُوسِيَ الاسْمُ الّذِي هو العَرَب ، و لم يَبْقَ له تَدَاوُلٌ بينهم و لا تَعَارُفٌ، و استَغْنَت كُلُّ قَبِيلَة باسْمِهَا الخَاصّ، مع تَفَرُّق في القَبَائل وَ تَبَاعُد الشُّعُوب في الأَرْضِينَ. ثم لَمَّا نَزَلَت العَرَبُ بِهذِه القَرْيَة، في قَوْل، أَو قُرَيْشٌ بالخُصُوص، في قَوْل المُصَنّف، رَاجَعُوا الاسْمَ القَدِيم و تَذَاكَروه و تَسَمَّوْا بِه، رُجُوعاً للأَصْل، فمَنْ عَلَّل التَّسْمِيَة بما نَقَلَه البَكْرِيُّ وَ غَيْرُه نَظَر إِلَى الوَضْع الأَوّل المُوَافِق للنَّظَرِ من أَسْماءِ أَجْنَاسِ النَّاسِ. و مَنْ عَلَّل بِمَا ذَكَرَه المُصَنِّف و غيرُه مِنْ نُزُول عَربَة نَظَرَ إِلى ما أَشَرْنَا إِليه. ـ