تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٢١ - عرب عرب
و يَدُلُّ على أَنّه رُجُوعٌ للأَصْل و تَذَكُّرٌ بَعْدَ النِّسْيَان أَنَّهُم جَرَّدُوهُ من الهَاءِ المَوْجُودَةِ في اسم القَرْيَة و ذَكّرُوه على أَصْلِه المَوْضُوعِ القَدِيم. هَذَا نَصُّ جَوَابه. و قد عَرَضَه على شَيْخَيْهِ سَيِّدِنا الإِمام مُحَمَّدِ بْنِ الشَّاذِلِيِّ وَ سَيِّدِنَا الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ المسنَّاوِيّ تَغَمَّدَهُما اللََّه تعالى بغُفْرَانِه فارْتضَيَاه و سَلَّما له بالقَبُول و أَجْرَياه مُجْرَى الرَّأْي المَقْبُول و أَيَّدَه الثَّانِي بقَوْله:
إِنَّه ينظُر إِلى ما اسْتَنْبَطُوه في الجَوَاب عن بَعْضِ الأَدلَّة التي تَتَعَارض أَحْيَاناً فتَتَخَرَّج على النّسبِيَّات و الحَقِيقِيَّات.
و ذكر شيخُنَا بعد ذلك أَوَّلِيَّةَ بناءِ المَسْجِدِ الحَرَام و المَسْجِدِ الأَقْصَى لإِبْرَاهِيمَ و سليمان عَلَيْهِمَا السَّلاَمَ مَع أَنَّ الأَوَّلَ مِنْ بناءِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلاَم مع المَلاَئِكَةِ. و الثَّاني من بِناءِ آدَم عَلَيْه السَّلاَمُ، فَقَالُوا اتُنُوسِي بِنَاءُ هؤُلاءِ بمُرُور الأَزْمَان، و تَقَادُم العَهْد فَصَار مَنْسُوباً لسَيِّدِنا إِبْرَاهِيم وَ سَيِّدِنا سُلَيْمَان، فَهُوَ الأَوْلَى بهذَا الاعْتِبَار، إِلَى آخِرِ ما ذكر.
قلت: و قد يُقَالُ إِنَّ رَبِيعَةَ و مُضَرَ و كِنَانَة و نِزَاراً و خُزَاعَة و قَيْساً و ضَبَّة و غَيْرَهم مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلام مِمّن ذكر آنِفا. و لم يَذْكُر من العَرب المستَعْربة و هم سكان هذه الجزيرة و مجاور و سَاحَات مَكَّةَ و أَوْدِيَتِها، و قد تَوَارَثُوها من العَرَب العَارِبة المُتَقَدِّم ذِكْرُهم و إِن تَشَتَّت منهم في غَيْرِها فَقَلِيل من كَثِير، كيف تُنُوسِي بَيْنَهم هَذا الاسْم ثم تُذُوكِرُوا به فِيمَا بَعْد، و هَذا لا يَكُون إِلا إِذَا فُرِض و قُدِّر أَنه لم يَبْق بِتِهامَةَ من أَولادِ إِسْمَاعِيل أَحَدٌ و هَذَا لاَ قَائِل به. و قوله: ثم لَمَّا نَزَلَت العربُ ، ليتَ شِعْري أَيّ العَرَب يَعْنِي؟أَمِن العَرَب العَارِبَة فإِنهم انْقَرَضُوا بِهَا و لم يُفَارِقُوها أَو من المُسْتَعْرِبَة وَ هُم أَولادُ إِسْمَايَلِ، و اخْتَصَّ مِنْهم قُرَيش فَصَار القَوْلاَنِ قَوْلاً وَاحِدا..
ثم الجَوَاب عما أَورده. أَمَّا عن الأَوَّل فَلِمَ لا يَكُون هَذَا من جُمْلَة الأَفْرَاد التي ذكرها كمَذْحِج و غَيْرِه، و منْهَا نَاعِط و شَبَام قَبِيلَتَان من حِمْيَر؛ سُمِّيتَا باسْمِ جَبَلَيْن نَزَلاَهُمَا، و كَذَلك بنو شُكْر بالضَّم سُمُّوا باسْمِ المَوْضِع، و في مُعْجَمِ البَكْرِيّ: سُمي جُدَّة بن جرم بْنِ رَيّان [١] بْنِ حُلْوان بْنِ الحَافِ [٢] بْنِ قُضَاعَة بالموضع المعروف من مكة لولادتهبِهَا، و هذا قد نَقَلَه شيخُنَا في شَرْحِ الكِتَاب في ج د د كما سيأْتي.
و في معجم ياقوت: مَلَكَانُ بْنُ عَدِيّ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدٍّ؛ سُمِّي باسْم الوَادِي و هو مَلِك [٣] من أَوْدِيَة مَكَّة لوِلاَدَتِهِ فيه.
و قرأْت في إِتحافِ البَشَر للنَّاشِريّ ما نَصُّه: فَرَسَانُ مُحَرَّكَة:
جَبَلٌ بالشَّام سُمِّيَ به عِمْرَانْ بْنُ عَمْرِو بْنِ تَغْلِب، لاجتيازه فيه، و به يُعْرَف ولدُه. و رأَيْت في تاريخ ابن خِلِّكَان مَا نَصّه: كاتم و التُّكرور: جِنْسَانِ من الأُمم سُمِّيا باسْم أَرْضِهِما، و مثلُه كَثِير يعرفه المُمَارِس في هَذا الفن.
و عند التأَمل فيما ذكرنا يَنْحَلُّ الإيرادُ الثَّانِي أَيضاً.
و أَما عن الثَّالِث فنقول: ما المَرادُ بالعَرَب الذينَ تَذْكرُهم؟أَ هُمُ القَبَائِلُ الموجودةُ بالكثرة التي تَفَرَّعت قريباً، أَم هُمْ أَولادُ إِرَم بْنِ سَام البطونُ المُتَقَدِّمَة بعد الطُّوفَان؟فإِن كان الأَوّل فإِنهم ما نَزَلُوا عَرَبَة و لا سَكَنُوهَا، و إِن كَان الثَّانِي فلا رَيْبَ أَنَّ التوراة و الإِنْجِيلَ و غَيْرهما من الكُتُب مَا نَزَلَت إِلاَّ بَعْدَهم بكَثِير، و كَان مَعَدُّ بْنُ عَدْنَان في زَمَن سَيِّدِنا مُوسَى عليه السلام، كما يَعْرِفُه مَنْ مارس عِلْمَ التَّوَارِيخ و الأَنْسَاب. و أَمَّا ما وَرَد في حَدِيثِ المَوْلد من إِطْلاَق لَفْظِ العَرَب قَبْلَ خَلْق السموات و الأَرْض فهو إِخْبَار غَيْبِيٌّ بما سَيَكُون، فهو كَغَيْرِه مِن المُغَيَّبَات.
و أَمَّا عن الرَّابع فإِنه إِذا كَان بعضُ الأَسْماءِ مُرْتَجَلَةً و بَعْضُهَا مَنْقولَةً لاَ يُقَالُ فيها: لمَ لم تَكُن مُرْتَجَلات كُلُّها أَو مَنْقُولاَتٍ كُلّهَا حَتَّى يلزم ما ذكر لاختلافِ الأَسْبَاب و الأَزمنة.
و أَما عَن الخَامِس فنقول: أَ لَيسَ التعريبُ في الكلام هو النَّقْلَ من لِسَان إِلى لِسَان. فالمُعرَّب و المعرَّب مِنْه هو المَنْقُول و المَنْقُولُ مِنْه. و هذا لَفْظ العرَبُون في هذه المادة سيأْتي عن قريب و هو عَجَمِيّ. كيف تَصَرَّفُوا فيه مِن ثَلاَثَةِ أَبْوَابٍ أَعْرَبَ و عَرَّب و عَرْبَن و اشتَقُّوا منها أَلفَاظا أُخَر غير ذلك، كما سيأْتِي، فيُجْعَل هذَا مِنْ ذَاك. و هذَا لَفْظُ العَجَم تصرفوا فِيهِ كما تَصَرَّفوا في لفظ العَرَب .
و أَما عَنِ السَّادِس فأَنْ يُقَالُ: إِن كان المُرَادُ بعَرَبَة الَّتي
[١] عن معجم البلدان، و بالأصل: حرم بن زبان.
[٢] في معجم البلدان: حلوان بن عمران بن الحاف.
[٣] في معجم البلدان: مِلْك بالكسر ثم السكون و الكاف.