الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٣٣٥ - ابن الفارض
منتصفها، فإن قطر من طرفيها على السواء أنبأ عن التعادل و الا عمل كما عرفت.
هذه كتابة كتبها العارف الواصل الصمداني الشيخ محيي الدين ابن عربي حشره اللّه مع محبيه إلى الإمام فخر الدين الرازي: بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه و سلام على عباده الذين اصطفى و على وليي في اللّه فخر الدين محمد أعلى اللّه همته، و أفاض عليه بركاته و رحمته، و بعد، فإنّ اللّه يقول: وَ تَوََاصَوْا بِالْحَقِّ [١] و قد وقفت على بعض تآليفك و ما أيدك اللّه به من القوة المتخيلة و الفكرة الجيدة، و متى تغدت النفس كسب يديها فإنها لا تجد حلاوة الجود و الوهب، و تكون ممن أكل من تحته، و الرجل من يأكل من فوقه كما قال اللّه تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقََامُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [٢] و ليعلم وليي وفقه اللّه تعالى: أنّ الوراثة الكاملة هي التي تكون في كل الوجوه لا من بعضها، و العلماء ورثة الأنبياء. فينبغي للعاقل العالم أن يجتهد لأن يكون وارثا من كل الوجوه، و لا يكون ناقص الهمة، و قد علم وليي وفقه اللّه تعالى أنّ حسن الطبيعة الانسانية بما تحمله من المعارف الإلهية و قبحها بضد ذلك. فينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في معرفة المحدثات و تفاصيلها، فيفوته حظه من ربه و ينبغي له أيضا أن يشرح نفسه من سلطان فكره فإنّ الفكر يعلم مأخذه، و الحق المطلوب ليس ذلك و العلم باللّه غير العلم بوجود اللّه، فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة اللّه من حيث المشاهدة. و ينبغي للعالي الهمة أن لا يكون تلقيه عند هذا من عالم الخيال، و هي الأنوار المتجسدة الدالة على معان وراءها، فإنّ الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن، و القرآن في صورة الحبل، و الدين في صورة القبة. و ينبغي للعالي الهمة أن لا يكون معلمه مؤنثا كما لا ينبغي أن يأخذ من فقير أصلا، و كل ما لا كمال له الا بغيره فهو فقير. و هذا حال كل ما سوى اللّه تعالى. فارفع الهمة في أن لا تأخذ علما الا من اللّه سبحانه على الكشف و اليقين.
و اعلم أنّ أهل الأفكار إذا بلغوا فيه الغاية القصوى أداهم فكرهم إلى حال المقلد المصمم، فإنّ الأمر أجل و أعظم من أن يقف فيه الفكر، فما دام الفكر موجودا فمن المحال أن يطمئن العقل و يسكن، و للعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري و لها صفة القبول لما يهبه اللّه تعالى، فاذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود و لا يبغي ماسورا في تقييد نظره و كسبه، و إنه على شبهة في ذلك.
[١] العصر الآية (٣) .
[٢] المائدة الآية (٧٠) .