الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٣٣٦ - ابن الفارض
و لقد أخبرني من الفت به من إخوانك من له فيك نية حسنة. أنه رآك و قد بكيت يوما فسألك هو و من حضر عن بكاءك؟فقلت مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي الساعة بدليل لاح لي أنّ الأمر على خلاف ما كان عندي، فبكيت و قلت، لعل الذي لاح لي أيضا يكون مثل الأول، فهذا قولك. و من المحال على الواقف بمرتبة العقل و الفكر أن يسكن أو يستريح، و لا سيما في معرفة اللّه تعالى. فما لك يا أخي تبقى في هذه الورطة و لا تدخل طريق الرياضيات و المكاشفات و المجاهدات و الخلوات التي شرعها رسول اللّه «ص» فتنال ما نال من قال فيه سبحانه و تعالى: عَبْداً مِنْ عِبََادِنََا آتَيْنََاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنََا وَ عَلَّمْنََاهُ مِنْ لَدُنََّا عِلْماً [١] و مثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة و المرتبة العظيمة الرفيعة.
و ليعلم وليي وفقه اللّه تعالى أنّ كل موجود عند سبب ذلك السبب محدث مثله، فإنّ له وجهين: وجه ينظر به إلى سببه، و وجه ينظر به إلى موجده. و هو اللّه تعالى، فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم، و الحكماء و الفلاسفة كلهم و غيرهم الا المحققين من أهل اللّه تعالى كالأنبياء و الأولياء و الملائكة عليهم الصلاة و السّلام، فإنّهم مع معرفتهم بالسبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم، و منهم من نظر إلى ربه من وجه سببه لا من وجهه. فقال: حدثني قلبي عن ربي و قال الآخر و هو الكامل: حدثني ربي و من كان وجوده مستفادا من غيره فإنّ حكمه عندنا لا شيء فليس للعارف معول الا اللّه سبحانه البتة و أعلم أنّ الوجه الإلهي الذي هو اللّه اسم لجميع الأسماء: مثل الرب و القدير و الشكور، و جميعها كالذات الجامعة لما فيها من الصّفات، فاسم اللّه مستغرق لجميع الأسماء فتحفظ عند المشاهدة، فإنك لا تشاهده أصلا، فإذا ناجاك به و هو الجامع فانظر ما يناجيك به و انظر المقام الذي تقتضيه تلك المناجاة، و تلك المشاهدة، و انظر أي اسم هو الذي خاطبك أو شاهدته فهو المعبر عنه بالتهول في الصورة كالغريق، إذا قال يا اللّه فمعناه: يا غياث أو يا منجي أو يا منقذ [٢] و صاحب الألم إذا قال يا اللّه فمعناه: يا شافي أو يا معافي و ما أشبه ذلك.
و قولي لك التحول في الصورة ما رواه مسلم في صحيحه أنّ الباري تعالى يتجلى فينكر و يتعوذ منه فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها فيفترون بعد الإنكار، هذا هو معنى المشاهدة هاهنا و المناجاة و المخاطبات الربانية.
و ينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم الا ما يكمل به ذاته، و ينتقل معه حيث انتقل
[١] الكهف الآية (٦٤) .
[٢] أنقذ الغريق أخذه و نجاه و خلصه.