الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٩٢ - للصاحب إسماعيل بن عباد
و قال ملك لوزيره: ما خير ما يرزق اللّه العبد، قال: عقل يعيش به، قال: فان عدمه، قال مال يستره، قال: فان عدمه، قال: فصاعقة تحرقه و تريح منه العباد و البلاد.
و حكي عن الشريف المرتضى رضي اللّه عنه أنه كان جالسا في علية له تشرف على الطريق فمر به ابن المطرز الشاعر يجر نعلا له بالية، و هي تثير الغبار، فأمر باحضاره و قال: له أنشد أبياتك التي تقول فيها:
إذا لم تبلغني إليكم ركائبي # فلا وردت ماء و لا رعت العشبا
فأنشده إياها، فلما انتهى إلى هذا البيت أشار الشريف إلى نعله البالية، و قال: أ هذه كانت من ركائبك؟فأطرق ابن المطرز ساعة، ثم قال: لما عادت هبات سيدنا الشريف إلى مثل قوله:
و خذ النوم من جفوني فانّي # قد خلعت الكرى على العشاق
عادت ركائبي إلى مثل ما ترى، لأنك خلعت ما لا تملكه على من لا يقبل، فاستحى الشريف منه، و أمر له بجائزة، فأعطوه.
ورد على أبي الطيب كتاب جدته لأمه من الكوفة، تستجفيه و تشكو إليه شوقها و طول غيبته عنها، فتوجه نحو العراق و لم يمكنه دخول الكوفة على تلك الحالة، فانحدر إلى بغداد، و قد كانت جدته يئست منه، فكتب إليها كتابا يسألها المسير إليه، فقبلت كتابه و حمت لوقتها سرورا به، و غلب الفرح على قلبها فقتلها، فقال يرثيها شعرا:
ألا لا أرى الأحداث حمدا و لا ذما # فما بطشها جهلا و لا كفها حلما
إلى مثل ما كان الفتى يرجع الفتى # يعود كما أبدى و يكري كما أرى
أحن إلى الكأس التي شربت بها # و أهوى لمثواها التراب و ما ضما
بكيت عليها خيفة في حياتها # و ذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
و لو قتل الهجر المحبين كلهم # مضى بلد باق اجدت له صرما [١]
منافعها ما ضر في نفع غيرها # تغذي و تروي إن تجوع و إن تظمأ
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا # فلما دهتني لم تزدني بها علما
أتاها كتابي بعد يأس و ترحة (نزحة خ ل) # فماتت سرورا بي فمت بها هما
حرام على قلبي السرور فأنّني # اعد الذي ماتت به بعدها سما
[١] انصرم انصراما و صرما: انقضى انقضاء، الصارم: الشجاع، و صروم بضم راء إطلاق بر سيف ميشود.