الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ١٦٦
حضرت باب داره استأذنت عليه، فخرج خادم له فقال: ما حاجتك؟فقلت: السلام على الشريف، فقال: هو قائم في مصلاه فجلست بحذاء بابه، فما لبثت الا يسيرا إذا خرج خادم فقال: ادخل على بركة اللّه فدخلت و سلمت عليه، فرد عليّ السلام و قال: اجلس غفر اللّه لك فجلست فأطرق مليا [١] ثم رفع رأسه فقال: أبو من؟قلت: أبو عبد اللّه، قال: ثبت اللّه كنيتك وفقك يا أبا عبد اللّه ما مسألتك؟فقلت في نفسي: لو لم يكن في زيارته و التسليم عليه غير هذا الدعاء لكان كثيرا، ثم رفع رأسه فقال: ما مسألتك؟قلت: سألت اللّه أن يعطف عليّ قلبك و يرزقني من علمك و أرجو أنّ اللّه تعالى أجابني في الشريف ما سألته.
فقال: يا أبا عبد اللّه ليس العلم بالتعلم و إنما هو نور يقع على قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى أن يهديه، فان أردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية، و اطلب العلم باستعماله، و استفهم اللّه يفهمك.
قلت: يا شريف: قال: قل: يا أبا عبد اللّه، قلت: يا أبا عبد اللّه ما حقيقة العبودية؟قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله [٢] اللّه ملكا، لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال اللّه يضعونه حيث أمر اللّه به، و لا يدبر العبد لنفسه تدبيرا، و جعل اشتغاله فيما أمر اللّه تعالى به و نهاه عنه، فاذا لم ير العبد لنفسه فيما خوله اللّه ملكا هان عليه الإنفاق فيما أمره اللّه تعالى أن ينفق فيه، و إذا فوض العبد تدبير نفسه إلى مدبره هان عليه مصائب الدنيا، و إذا اشتغل العبد بما أمره اللّه تعالى و نهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء و المباهاة مع الناس و إذا أكرم اللّه العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا، و إبليس، و الخلق، و لا يطلب الدنيا تكاثرا أو تفاخرا و لا يطلب ما عند الناس عزا و علوّا و لا يدع أيامه باطلا فهذا أول درجة التقى.
قال اللّه تعالى: تِلْكَ اَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهََا لِلَّذِينَ لاََ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فَسََاداً وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [٣] قلت يا أبا عبد اللّه أوصني فقال: اوصيك بتسعة أشياء: فإنّها وصيتي لمريدي الطريق إلى اللّه تعالى و اللّه أسأل أن يوفقك لاستعماله، ثلاثة، منها في رياضة النفس، و ثلاثة منها في الحلم، و ثلاثة منها في العلم، فاحفظها و إياك و التهاون بها.
قال عنوان: ففرغت قلبي له قال: أما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنه يورث الحماقة و البله، و لا تأكل الا عند الجوع، و إذا أكلت فكل حلالا، و سمّ اللّه، و ذكر حديث الرسول. ما ملأ آدميّ وعاء شرا من بطنه، فان كان و لا بد، فثلث لطعامه، و ثلث
[١] الملي: الطويل من الزمان يقال انتظرته مليا أي زمانا طويلا.
[٢] خوله الشيء: أعطاه إياه متفضلا أو ملكه إياه.
[٣] القصص الآية (٨٣) .