الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٧٤ - و قال في تلك الحال
و قد ظرف من قال
لعمرك ما شربت الخمر جهلا # و لكن بالأدلة و الفتاوي
فانّي قد مرضت بداء همي # فأشر بها حلالا للتداوي
قيل: كان لبدر بن عمار، و هو ممدوح المتنبي في بعض أشعاره منشي أعور يعرف بابن كروس و يحسد أبا الطيب و يشنؤه، لما كان يشاهد من سرعة خاطره، و مبادرة قوله، لأنه لم يجر في المجلس شيء بتة [١] الا ارتجل فيه شعرا، فقال لبدر بن عمار يوما أظنه (ما أظنه) يعمل هذا قبل حضوره و بعد، و مثل هذا لا يجوز أن يكون، و أنا أمتحنه بشيء أحضره للوقت، فلما كمل المجلس و دارت الكئوس أخرج لعبة قد استعدها و لها شعر في طولها تدور على لولب [٢] إحدى رجليها مرفوعة، و في يدها طاقة ريحان تدار فاذا وقفت حذاء إنسان شرب، فوضعها من يدها و نقرها فدارت فقال أبو الطيب:
و جارية شعرها شطرها # محكمة نافذ أمرها
تدور و في يدها طاقة # تضمنها مكرها شبرها
فان أسكرتنا ففي جهلها # بما فعلته بنا غدرها
فادبرت فوقفت حذاء أبي الطيب فقال:
جارية ما لجسمها روح # بالقلب من حبها تباريح
في يدها طاقة تشير بها # لكل طيّب من طيبها ريح
سأشرب الكأس من إشارتها # و دمع عيني في الخد مسفوح
و أداراها بيده فوقفت حذاء بدر، فقال أبو الطيب عند ذلك شعرا:
يا ذا المعالي و معدن الأدب # سيدنا و ابن سيد العرب
أنت عليم بكل معجزة (مفخرة خ ل) # فلو سألنا سواك لم يجب
أ هذه قابلتك راقصة # أم رفعت رجلها من التعب
و قال في تلك الحال
إنّ الأمير أدام اللّه دولته # لفاخر كسيت فخرا به مضر
[١] بتة: جزما و قطعا، و كثيرا ما يستعمل مع الألف و اللام و يقال البتة، و يجيء بمعنى التأكيد.
[٢] اللولب: آنية.