القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٣٥٦ - الاولى اذا دار الامر بين الاستصحاب و الحرمة
الاتيان بامور معلومة يكون المكلّف به مشتبها بينها و يكون الاتيان بالجميع مستلزما لهذا المحذور فيحكم بعدم كون الشئ المشكوك فيه جزء و شرطا و بعدم لزوم الاتيان بمقتضى هذه القاعدة و من هنا ظهر التفرقة بين الاجماع على هذه القاعدة و بين الاجماع على قاعدة البرائة فى الشك فى التكليف فانه يصح التمسّك بهذه القاعدة فى مثل هذين المقامين مع انه لا يصح التمسّك بقاعدة البرائة كما عرفت سابقا و الثانى الايات الشريفة مثل قوله تع يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ فان مقتضى عدم ارادة العسر هو عدم التكليف بشئ فيه عسر و حرج و مثل قوله تع ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و غير ذلك من الايات و الظن الحاصل من الكتاب حجة سيما فى المقام لورود التفسير من المعصوم ايض مع اعتضادها بعمل الاصحاب و منها الاخبار الكثيرة الواردة فى باب مثل النبوى المرسل بعثت بالحنفية السمحة السّهلة و غيره و قد ادعى افاضل الاستاد القطع بصدور بعض الاخبار الواردة فى الباب و ح يكون الظن الحاصل منها من الظنون المخصوصة لأنه ظن حاصل من الخبر المتواتر اللفظى و الرابع الاجماع المنقول و لا ريب ان مقتضى هذه الادلة الثلثة هو اعتبار قاعدة الحرج مط و ان كان التكليف ثابتا من الدليل فيكون القاعدة قابلة للتخصيص و الخامس الدليل العقلى و هو ان الغرض من التكاليف ليس الا العمل بمقتضاها فاذا كان المامور به مما لا يقدمون عليه غالبا و يتحرزون عنه فلا يقدمون اغلبهم على الاتيان و كذا المنهى عنه اذا كان تركه مشتملا على احد المشقتين المذكورتين فان اغلبهم لا يقدمون على تركه فيلزم من التكليف بما فيه هذه المشقة خلاف الفرض غالبا و هو قبيح لا يصدر من الحكيم على الاطلاق فان قلت لو كان التكليف بما يشتمل على احد المشقتين المذكورتين غير جايز لما كان سيّد الشهداء (صلوات اللّه عليه) و اصحابه مامورين بالجهاد و لما كان ابرهيم على نبيّنا و (عليه السّلام) مامورا بذبح الولد فان الاقدام بما اقدم (ع) مع اعتقاده بانه مامور بذبح الولد و يتحقق بما ارتكبه من الافعال ممّا لا يقدمون عليه و يتحرزون عنه قطعا و كذا امر المرئة الفاقدة زوجها بالتربّص بمقدار مائة سنة و كذا لزوم الاتيان بالقضاء فورا و الاقتصار على القدر الضرورى للتعيش لمن كان القضاء عليه كثيرا بحيث يوجب هذا المحذور قلت هذا كلام فاسد لانا نقول بعدم جواز التكليف بما فيه هذه المشقة مط بل بالنسبة الى الاشخاص الذين يعلم بعدم اقدامهم عليه و اما بالنسبة الى الاشخاص الذين يعلم باقدامهم فلا ضير فيه كما فى واقعة سيّدنا و مولينا (ع) و واقعة ابرهيم و جرجيس على نبيّنا و (عليهما السّلام) و امثال ذلك بالنسبة الى الانبياء و الاولياء و الاوصياء و اما مثال تربّص المراة و غيره مما ذكر بعده و غيره مما هو نظيره فنمنع وقوعه و ذهاب جمع الى هذه الاقوال لا يكون دليلا على قبحها مع وجود الدليل القطعىّ على الفساد و السّادس ان التكليف بما يشتمل على احد المشقتين خلاف اللطف لان اللطف عبارة عن التقريب الى الطاعة و التبعيد عن المعصية و لا ريب ان التكليف بالامور الشاقة مما يوجب القرب الى المعصية و البعد عن الطاعة لكثرة المخالفة و خلاف اللطف لا يصدر من الحكيم على الاطلاق اذ اللطف عليه واجب باتفاق اصحابنا و السّابع بناء العقلاء كافة على مذمة سيّد يكلف عبيده بتكاليف شاقة لا يتحمل عادة سواء كان مما يوجب الا لام فى البدن ام لا كما لو امره بقطع عضو من الاعضاء او بالاقتصار على القدر الضرورى من التعيش فلو لم يكن مثل هذا التكليف قبيحا عندهم لما كان وجه لهذا الذم و التقبيح و قد يرد الوجه الخامس بان مقتضى هذا الدليل هو عدم جواز التكليف مع العلم بالمخالفة فيلزم من ذلك ان لا يكون احد عاصيا و هذا الدليل ان تم لا يتفاوت فيه مخالفة الاكثر و مخالفة شخص واحد فان تكليف هذا الشخص ايضا ح ارتكاب لما فيه خلاف الفرض و الجواب عن هذا الدليل حلا انه يلزم مخالفة الغرض لو كان التكليف حقيقيا و يكون المقص من الامر و النهى هو وقوع الفعل و الترك و اما لو كان التكليف ابتلائيا فلا يلزم ذلك قطعا و من هذا القبيل تكاليف العصات و الكفار و قد يرد الوجه السادس بانه ان اراد مقتضى اللطف هو امرهم بشئ لا يتخلفون عنه او ان مقتضى اللطف هو اجبارهم على الفعل المامور به ففاسد بان مقتضى ذلك هو ان لا يكون احد عاصيا مع فساد
هذين المعنيين فى حدّ ذاتهما و ان اراد ان مقتضى اللطف هو الامر بما فيه المصلحة و النّهى عما فيه المفسدة فذلك امر مسلّم و لكن نقول نمنع لزوم خلاف اللّطف بهذا المعنى و ان اراد ان ما فيه المشقة التى لا يتحمل عادة يكون مشتملا على مصلحة الامرى و النهيى بواسطة ذلك فكونه ذا مشقة يكشف عن عدم اشتماله على المصلحة فلا يصحّ الامر ففيه ان ذلك ممنوع اذ لا منافات بين كون الشئ ذا مشقة لا يتحمل عادة و بين كونه ذا مصلحة كما نرى بالعيان و الوجدان فى الادوية فان كثيرا منها لا يتحمل شربها عادة مع انه يحصل بها العلاج و يامر بها الطبيب و بالجملة معلوم بديهة انه لا منافاة بين هذين الامرين و الوجه السّابع ان بناء العقلاء فى اوامرهم و نواهيهم مسلّم و اما فى اوامر اللّه و نواهيه فمم بل بنائهم على تجويزه و حسنه بعد الاطلاع على ما وقع كما فى واقعة سيّدنا و مولينا سيّد الشهداء و واقعة ابرهيم و جرجيس على نبيّنا و (عليهما السّلام) و غير ذلك و السرّ فى القبيح فى اوامرهم ان تكاليفهم لا يكون على مقتضى العدل و الحكمة بل يامرون بما هو موافق لمقتضى غرضهم و ان كان مستلزما لارتكاب قبايح كثيرة و مفاسد عظيمة و لا يحتمل فى حقهم انه لعله ان يكون فيه مصلحة و مفسدة و لا نعلمه و علمه الامر لان الكل فى مرتبة واحدة فى الجهل بعاقبة الامور و لذا لا يتبادرون الى تقبيح سيّد عادل امر عبده بما فيه مشقة لا يتحمل عادة و مع احتمال علمه بمصلحة فى ذلك لا نعلم به و من هنا ظهر سرّ التجويز فى اوامره تع فانه حكيم عادل و لا يكون شئ صادرا منه على خلاف مقتضى العدل و الحكمة فاذا انضم هذه المقدّمة الى مقدّمة انه عالم بالعواقب و مصالح الاشياء و مفاسدها فاذا صدر منه الامر بشئ فيه مشقة لا يتحمل عادة يكون ذلك كاشفا عن وجود المصلحة فى هذا الشئ المامور به نعم لا يكتفون فى ذلك بورود الدّليل الظنى سندا و دلالة امّا لو كان قطعنا من جهة اوّل فيكتفون به و ان كان ظنيا من جهة الثانى فتدبّر ثم اعلم انه قال فاضل الاستاد و من عليه الاستناد التحقيق فى المقام هو ان