القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٣٠١ - المقام الرابع احكام الله تع تابعه للصفات الكامنة
العقل الصفات الكامنة فيها بعد فرض ثبوت صدور حكم كل شئ و كونه مخزونا عند الاهل لانه موقوف على مقدّمات ثلثة الاول التبعية و الثانى صدور حكم كل شئ و الثالث ان هذا الشئ المخصوص متّصف بالحسن او القبح او غير ذلك و المفروض ثبوت الكل فيحصل العلم بالحكم الشرعى و ان لم نقل بثبوت المقام الثانى و الثالث فهذا المقام اثباته مثمر للاخباريّين و من قال بمقالتهم فى رد الاشاعرة فان قلت لا شك و لا ريب ان المصلحة قد يكون فى نفس تعلق الاخر و بعبارة اخرى قد يكون الحسن فى نفس الامر لا فى المامور به كما فى التكاليف الامتحانية فان الحسن فيها انما هو فى نفس الامر لا فى المامور به بل قد يكون المامور فيها قبيحا كما فى الامر بقتل النفس المحترمة و قد تكون المصلحة فى المامور به لا فى نفس الامر و وجود القسم الاول فى الاوامر الشرعية ايض يقينى بل نقول يحتمل ان يكون جميع الاوامر الشرعيّة من هذا القتيل و الاحتمال يكفى فى رد الاستدلال و لا يلزم اللغوية اذ فى الامتحان ايض مصلحة فما الدليل على التبعية قلت او لا ان فى نفس الامتحان ايض مصلحة و الامر و النهى تابعان لها و ثانيا ان فى ايثار المخصوص للامر الامتحانى او النهى الامتحانى على غيره لا بد لان يكون لأجل مصلحة مقتضية له و الا لزم الترجيح بلا مرجح و هو مح او قبيح بحكم القوة العاقلة و لا يصدر من الحكيم على الاطلاق و ثالثا ان ما ذكرته من جريان ذلك الاحتمال فى جميع الاوامر و النواهى كلام فاسد لان هذا الاسماء غير متطرق فى الاوامر و النواهى التى بلغ زمان الفعل و الترك غير متطرق اذا بقاء الامر ح لغو و الا لم يكن الامر توطينا اذ معنى كون الامر توطينا ان ما تعلق به الامر لم يكن مطلوبا مع كونه مطلوبا فى نظر المكلف و انما المطلوب هو الاقدام ببعض المقدّمات فلو لم يعلمه فى زمان ايقاع الفعل لحكم العقلاء بكون الفعل مطلوبا حتميّا و عدم كون الامر توطينا و بالجملة اللازم فى الامر التوطينى الاعلام بكونه توطينا فى زمان وقوع الفعل و ذلك امر واضح فان قلت غاية ما ثبت مما ذكرت من ان احكام الله اما يكون معلّلة بالاغراض او لا اه هو ان جعله تع الاحكام لا بد ان يكون لاجل داع و غرض و لكن لا يلزم من ذلك مقصودك من كون الافعال مختلف الصفات و تبعية الاحكام لتلك الصفات بل يمكن ان يكون جميع الافعال متساوى الصفات اذ يمكن ان يكون الفايدة فى جعلها هى العبادة و العبودية و الاطاعة و يكون السبب فى اختلافها ح ان الامر بجميعها موجب للتكليف بما لا يطاق و العسر و الحرج الشديدين عليهم و كذا جعل الجميع منهيّا عنه مستلزم لذلك و كذا الملفّق منهما فلذا جعل بعض الاشياء مباحا ترخيصا لهم و تسهيلا لامرهم بقى الكلام فى تعيين بعض الاشياء للامر و بعضها للنهى و بعضها للاباحة و الوجه فيه ايض لم يكن منحصرا فى مقصودك اذ يحتمل ان يكون ذلك لاجل ان ما امر به اقوى فى حصول جهة العبودية فيه مثل ان كان مايلا الى تركه فانه لا شك ان ظهور العبودية فيه اقوى من الشئ الذى يكون مايلا الى فعله و كذا فيما نهى عنه فانه يحتمل ان يكون بعينه لاجل كونه مايلا الى فعله و معلوم ان مدّعاك غير هذا اذ مدّعاك اثبات ان فى الشئ مصلحة او مفسدة يجب على الله جعل التكاليف لاجل بيان تلك المصلحة و المفسدة من باب اللطف فمع قطع النظر عن جهة التعبّدية مقتضى كلامك لزوم الامر و النهى فظهر ان جعل مطلق الاحكام لاجل فايدة لا يكون مثبتا لمدّعاك اذ هو اعم من مقصودك و كذا لابدّية كون تعيين الخصوصيات ايض لاجل مقتض لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح لا يكون مثبتا لذاك اذ هو اعم ايض كما عرفت هذا مع انّا نثبت انّ ذلك انما هو لاجل ما ذكرنا لا لاجل ما ذكرت من انّ جعل التكاليف انما هو لبيان الصفات الكامنة و ان الاحكام تابعة لها و الدليل على ذلك الاية الشريفة وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وجه الدلالة ان الاية الشريفة دلت على ان خلق الخلق انما هو للعبادة و اصرح من هذه الاية دلالة قوله تع وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اى القصد فانها دلت على ان فايدة الامر منحصرة فى العبادة فلو كان الامر كما ذكرت لما كان الفايدة منحصرة فى ذلك
و قد دلّت الاية على الانحصار قلت ان اردت من قولك انه يحتمل ان يكون الفايدة فى جعل التكاليف هو العبادة ان العبادة و الخضوع و الانقياد و الاطاعة و المتابعة للسيد و المولى و الشكر للمنعم امر حسن فى حد ذاته مع قطع النظر عن جعل التكاليف و هو الباعث فى جعل سنخ التكاليف و تعيين الخصوصيات للاحكام المخصوصة انما هو لما ذكرت من الاقربية الى التعبّد و الخضوع فمسلم و هو مثبت لتبعية الاحكام ايض للصفة الكامنة و ان كان من الصفة العامة و لكن مقصودنا اثبات ازيد من ذلك و لذا نقول انه من ذلك ثبت ذلك صحة الامر و النهى لاجل الاقربية الى العبادة و اما الانحصار فلا يستفاد من ذلك و مقصودنا ان جعل الامر و النهى فى الخصوصيات قد يكون لاجل غير ذلك لا الانحصار و هو ثابت اذ لا شك و لا ريب ان بعض الاوامر و النواهى لم يكن لاجل اقوائية حصول العبادة و الخضوع باتفاق من الطرفين مثل الامر بانقاذ الغريق و اطفاء الحريق و ردّ الوديعة و اداء الدين و نحو ذلك مما لم يشترط فيها النية فانه لا شك فى عدم مقصودية جهة التعبّدية فيها و مثل النهى عن الرباء و شرب الخمر و عن وطى المحارم و النهى عن الظلم فان النهى عن هذه الخصوصيات انما هو لاجل مفسدة فى ذاتها مثل ان الزنا يوجب اختلاط الانساب و الظلم موجب لاختلال نظام العالم و شرب الخمر موجب لتخمير العقل الموجب للمفسدة و هكذا كما نعلم ان جعل بعض الاوامر و النواهى فى بعض الخصوصيات لمجرد اقوائية جهة العبادة و الخضوع فيها مثل الامر بالصّلوة و الصوم و الحج و الزكوة و غير ذلك ممّا يشترط فيه النية و مثل النهى عن دخول الجنب فى المسجد و مثل النهى عن مسّ المحدث القران و امثال ذلك فان المقصود ليس من الاوامر المذكورة و النواهى المذكورة الا حصول العبودية و الخضوع و الانقياد و ان اردت من قولك هذا ان العبادة فى حدّ ذاتها لم يكن لها حسن يوجب الامر بها بل حسنها بعد الامر بمعنى انه بعد ورود امر السّيد و المولى يحسن للعبد العبادة و المتابعة و الانقياد فهو فاسد لانه يلزم ان يكون امر الامر بلا غرض و بلا فائدة و ان لم يكن متابعة المامور به من دون جهة بل الاجل حسنه و لا يصلح ان يكون ذلك سببا لان هذا الحسن حاصل بنفس تعلق الامر فلا يصلح ان يكون علّة له و ممّا ذكرنا ظهر الجواب عن الايتين فما دلت عليه الاية الاولى من انحصار فايدة الخلق فى العبادة فمسلم و ما ذكرنا من تبعية بعض الاحكام فى بعض الخصوصيات للصفات الذاتية لا ينافى ذلك لان تلك المصالح و المفاسد انما هى مصالح و مفاسد بالنسبة الى بقاء نظام العالم الذى يكون المقصود منه هو حصول العبادة و ما دلت عليه الاية الثانية من كون الاوامر منحصرة فى التعبدية لا يمكن لنا العمل بمضمونها بعمومها لان الاتفاق من الطرفين واقع على عدم كون بعض الاوامر تعبدية بل هى توصلية محضة كالامثلة المتقدمة ولى تامل فى الجواب من اوله الى اخره و ربما يورد اشكال اخر على تبعيته احكامه تعالى للصفات الكامنة و هو ان مقتضى كلامك ان التكليف لطف و اوامر اللّه تع من قبيل اوامر الطبيب بالنسبة الى المريض بيان لمصلحتهم و مفسدتهم و قد صرّحت به ايض