القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٩٢ - امّا المقام الأوّل العقل يدرك الحسن و القبح
فاذكرته مسلم و لكن لا ينفعك لانه يحتمل ان يكون ذلك لاحد من الامور الخمسة الاول ورود الدليل من الشّرع بكون الظلم حراما و ردّ الوديعة واجبا الثانى استقرار العادة بعدم الظلم و بردّ الوديعة بحيث يوجب ذلك كون الظلم و عدم ردّ الوديعة منافرين للطباع فيكون فاعل الاول و تارك الثانى مستحقين للمدح و الذم لذلك و الثالث صفة الكمال و النقص فان الظلم صفة نقص و ردّ الوديعة صفة كمال فاستحقاق المدح و الذم لذلك و الرابع موافقة الغرض و مخالفته فان ردّ الوديعة موافق للغرض و الظلم مخالف له فذلك لذلك و الخامس منافرة الطبع و ملائمته فان الظلم منافر للطبع و ردّ الوديعة ملائمة فيحتمل ان يكون لذلك قلت امّا الاحتمال الاول فمخالف لوجداننا فانا نقطع بقبح الظلم و لو قطعنا النظر عن ورود الشّرع به و اما الثانى فكك ايضا فان الظلم ليس كلبس الرّجل لباس المراة و لو فرضنا استقرار العادة بالظلم لحكمنا بقبحه ايض و بالجملة التفرقة بين الظلم و ردّ الوديعة و العاديات ظاهرة مع ان مطلوبنا اثبات استحقاق المدح و الذم على بعض الافعال عند كل عاقل حتى الحكيم على الاطلاق كما ادّعيناه و الظاهر من كلامك انت قائل بهما فى المنالين و لكن تقول ان ذلك انما هو لموافقة العادة و مخالفتها و انت خبير بان كون مخالفة العقل للعادة سببا لذلك لا يضرنا نعم يضرّ بمن قال ان الحسن و القبح ذاتيان او لازمان للصفات اللازمة و اما الثالث ففيه اولا ان الظلم و ردّ الوديعة من الافعال لا من الصّفات فان التفرقة بين هذين و الصّفات واضحة فان الصّفات عبارة عن ملكات و هيئات راسخة فى النفس كالعلم و الشجاعة و غير ذلك و ثانيا ان الذى لم يكن محلا للنزاع هو ان العقل يدرك ان هذه صفة نقص و هذه صفة كمال اما استحقاق المدح على تجليل الثانى و الذم على ارتكاب الاول و تحصيله عند كل احد فهو محل للنزاع و معركة للاراء و الّذى ادعيناه فى المثالين بالضرورة هو استحقاق المدح و الذمّ عند كل عاقل حتى الحكيم على الاطلاق لا مجرّد درك ان الظلم صفة نقص و ردّ الوديعة صفة كمال و لا مجرّد درك استحقاق المدح و الذم فى الجملة لا عند كل احد فان قلت ان هذا ايض مسلّم عند الاشاعرة قلت فالنزاع مرتفع من البين اذ ليس مقصودنا اثبات ازيد من ذلك فى هذا المقام فان المقصود بالذات فى هذا المقام هو اثبات ادراك العقل استحقاق المدح و الذم عند اللّه و ان كان الباعث على ذلك هو كون الفعل صفة كمال او نقص فتدبّر و اما الرابع فلانه كثيرا ما نرى الظلم موافقا لغرض شخص و مع ذلك يذم فاعله و ردّ الوديعة مخالفا لغرضهم و مع ذلك يمدحون فاعله و اما الخامس ففيه ايض انا كثيرا ما نرى الظلم ملائما لطبع شخص و مع ذلك يذم فاعله و ردّ الوديعة منافرا لطبعه و يمدح فاعله و الحاصل ان القول بكون الاستحقاق للوصفين المذكورين انما هو بواسطة المذكورات كلام لا وجه له و الثانى انه لو لم يكن الحسن و القبح بالمعنى المتنازع فيه عقليّين و لم يدركهما العقل لما كان صدور شئ من الافعال من اللّه تع محكوما بالقبح و بعدم جواز الصّدور فيجوز صدور الكذب منه تع شانه فينتفى الوثوق بالوعد و الوعيد فينتفى فايدة التكاليف اذ فايدتها انقياد العباد و انزجارها عن المخالفة بالوعد و الوعيد فاذا احتمل العبد الكذب فى الوعد و الوعيد لا يقدم على اتيان الواجب و ترك الحرام و بطلان التالى لا يحتاج الى البيان فان قلت نمنع الملازمة الاولى بيان ذلك انّ عدم صدور الكذب مسبب من اسباب و بانتفاء احدها لا يجوز الحكم بانتفائه و من جملتها العادة فان عادته استقرت على عدم الكذب و تخلفها محال فلا يلزم من عدم الزام العقل بعدم جواز الصّدور و من جملتها ان الكذب صفة نقص و هو اللّه تعالى منزهة منه و لم يكن محلا للنزاع و من جملتها ان الكذب مخالف لغرضه تع و مناف لمصلحته و من جملتها ان الكذب منافر لطبعه تع فلا يصدر منه قلت اما الاحتمال الاول ففاسد لوجهين الاوّل انا ننقل الكلام فى بدو زمان العادة فان الكلام الصّادر منه اولا محتمل لذلك و هكذا الثانى و هكذا الثالث فلا يستقر العادة و الثانى انّ الاطلاع على العادة لكل المكلفين معلوم العدم و اما الاحتمال الثانى فهو بط ايض اما اولا فلما مرّ من ان الكذب لم يكن من الصّفات بل هو من الافعال و اما ثانيا
فلانّ صدور الكذب امر اختيارى و ان قلنا بكونه صفة نقص و ليس كعلمه و قدرته الدين هما عين الذات فح نقول الدليل على عدم صدوره مثل هذه اما تقول هو القوة العاقلة او الاجماع و الاتفاق من الخصمين فان كان هو الاول فيثبت المطلوب اذ المطلوب اثبات ان للعقل حكما بلزوم الترك او الاتيان فى بعض الافعال و ان سمّيت هذا الفعل صفة نقص اذ القدر الذى لم يكن محلا للنزاع هو ادراك العقل ان هذا صفة كمال او نقص و امّا الزام تحصيل صفة الكمال و الزام ترك صفة النقص و كون الاول ممدوحا على الفعل و الثانى مذموما على الفعل فهو محل النزاع و التشاجر و لئن سلمت هذا الادراك و هذا الحكم فالنزاع مرتفع من البين كما مرّ و ان كان الثانى فان اردت الاتفاق الكاشف عن الواقع فمم على هذا الفرض و ان اردت مجرّد الاتفاق فنمنع اعتباره اذ الدليل عليه اما الاتفاق او الادلة الشرعيّة و الاول معارض باتفاق الاماميّة فتدبر و الثانى لا يمكن التمسّك به فى ذلك الاحتمال الكذب فيه على هذا الفرض و اما الاحتمال الثالث فهو بط ايضا اما اولا فلانا نمنع كون الكذب مخالفا للغرض بل يحتمل ان يكون الوعد و الوعيد كذبا لموافقته للغرض و هو بقاء العالم و فيه نظر و اما ثانيا فلان هذا الكلام منك مناقض لما هو المعهود من مذهبكم من ان افعال اللّه تع لم يكن معلّلا بالاغراض و اما ثالثا فلان ارتكاب مخالف الغرض لا دليل على عدم جواز ارتكابه الا القوة العاقلة فاذا لم يكن حجة و مدركا لقبح ارتكاب خلاف الغرض فيحتمل صدور الكذب و ان كان مخالفا للغرض و ما مرّ من ان ادراك العقل الحسن و القبح بمعنى مخالف الغرض و موافقه ليس محلا للنزاع فمعناه انه يدرك ان هذا موافق للغرض و هذا مخالف له لا المدح و الذم على الارتكاب و فيه نظر و اما الاحتمال الرابع فهو بط ايض اما اولا فلان اللّه تع اجل من ان يكون له طبع يوافقه بعض الاشياء و يخالفه بعض اخر و اما ثانيا فلان بعد تسليم ما ذكرت ما يرشدك الى ان الكذب مخالف لطبعه و اما ثالثا فلما ذكرنا انفا فى بطلان الاحتمال الثالث من انه ما الدليل على ان ارتكاب مخالف