الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ١٢٨ - احتجّ القائلون بالبراءة بوجوه
و الحاصل: أنّ العقل مستقلّ بعدم لزوم إتيان الزائد ما دام كونه مشكوك الوجوب، لاستقلاله بأنّ العقاب على مخالفته مع عدم البيان قبيح، و مستقلّ أيضا بوجوب إتيان الأقل للفرار عن ترتّب العقاب على تركه- و إن كان احتماليا- لحصول إتمام الحجّة بالنسبة إليه.
فإن قلت: حكم العقل بعدم وجوب الإتيان بالزائد ممنوع، لأنّا نرى أنّ الطبيب إذا أمر بمعجون ذي أجزاء ليس بناء العقلاء فيه على الاكتفاء بما علم من أجزائه، و لو اكتفى المريض بذلك مع علمه بأنّ الجزء المشكوك ليس بضارّ يستحقّ اللوم، و كذلك العبيد بالنسبة إلى أوامر مواليهم، فإنّهم إذا اكتفوا بما علموا من الأجزاء و لم يأتوا بالجزء المشكوك- مع العلم بأنّه ليس مبغوضا للمولى- يستحقّون اللوم و الذمّ، و لا يقبح على المولى توبيخهم على ترك المشكوك إذا انكشف أنّه داخل في المركّب المأمور به.
قلت: الأوامر الصادرة من المولى قد يكون المقصود منها تحصيل أمر في الخارج بحيث يعلم أنّ الغرض انّما تعلق بحصول ذلك الأمر و الأمر بالمركّب انّما هو لأجل كونه محصّلا، و أنّ الذي يطلبه المولى من عبده حقيقة هو تحصيل ذلك الشيء و قد لا يكون كذلك، أمّا في الصورة الاولى فيجب الاحتياط فيها، لأنّ مع الشك في الإتيان بما يوجب حصول ذلك الشيء شك في الإتيان بالمأمور به رأسا، و لا ريب أنّ الاشتغال به يقتضي القطع بالبراءة عنه، و من هذا القبيل أوامر الأطباء إذ المقصود منها ليس مجرّد استعمال ما قرّره الطبيب، بل المقصود حصول الأكثر المترتّب على الداء الذي رتّبه.
نعم فرق بين أوامر الأطباء و الموالي، فإنّ الأولى إرشادية محضة، و أوامر الموالي يكون المقصود منها إطاعة العبد.
و أمّا الصورة الثانية:- أعني ما لم يعلم أنّ الغرض من الأمر حصول أمر بسيط مرتّب على هذا المركّب الذي تعلّق الأمر به ظاهرا- فبناء العقلاء فيها على الاحتياط ممنوع، بل على المولى البيان، فكلّ ما علمه العبد و تركه يكون معدودا في العصاة