الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ١٢٦ - احتجّ القائلون بالبراءة بوجوه
فرضنا فيها أيضا انحلال العلم الإجمالي إلى ما ذكر ذلك بمعونة خصوصية في المورد، فلا تلزم بوجوب الاحتياط هنا أيضا، كما إذا تردّد الخمر بين إنائين يعلم بنجاسة أحدهما المعيّن فانّ الظاهر منهما محكوم بجواز الاجتناب.
و الحاصل: أنّ إجمال العلم إذا كان سببا للجهل بخصوصية المكلّف به فالواجب لأجله هو الاحتياط و ليس الجهل عذرا و إذا كان سببا للجهل بأصل التكليف بعد العلم بالتكليف في مقدار معيّن، فلا يجب الاحتياط في المشكوك بسببه، لأنّ العقل مستقلّ بوجوب بيان التكليف.
و بما ذكرنا يندفع ما قد يورد على القائل بالبراءة: من أنّه إذا كان الأكثر على تقدير كونه هو المكلّف به لا يجب الإتيان به و لا عقاب على تركه، لأنّ الأصل براءة الذمة عنه، لأجل أنّ المكلّف جاهل بهذا التقدير، و لم يثبت من الشارع بيان بالنسبة إليه، فلا يجب الإتيان بالأقل أيضا لأجل العلم الإجمالي، إذ بعد فرض فراغ الذمة عن التكليف بالأكثر، لا يكون وجوب الأقل إلّا مشكوكا فالأصل براءة الذمة عند وجه الدفع أنّ الشك في وجوب الأكثر انّما يلازم الشك في وجوب الأقل لنفسه، و أمّا وجوب الأعم من النفسي و الغيري فلا يكون مشكوكا، و انقطاع الأصل بالنسبة إليه يكفي فيه هذا المقدار من العلم.
فان قلت: سلّمنا أنّ الأقل معلوم الوجوب و الزائد مشكوك و لكن ذلك لا يقتضي أن لا يكون الزائد لازم الإتيان بل ذلك يقتضي الاحتياط، لأنّ القطع بفراغ الذمة عن الأقل لا يحصل إلّا بالإتيان بالأكثر، لأنّ الأقل أمّا مطلوب وحده، و إمّا مطلوب في ضمن الكل، فالقطع بالفراغ عن التكليف المتعلّق به لا يحصل إلّا بإتيانه في ضمن الكل و هذا نظير تردّد الواجب بين القصر و الإتمام الّا أنّ الاحتياط هنا يمكن بغير الجميع دون هنالك.
قلت: أمّا أنّ الأقل مطلوب في ضمن الكل على تقدير وجوب الأكثر.
ففيه المنع، لأنّ وجوب الأقل ليس إلّا لأجل توقّف الكلّ المركّب منه و من غيره عليه و الكل متوقّف على ذات الأقل و أمّا هو منضمّا إلى غيره فهو ليس الّا عين