الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ١٢٠ - (الوجه الرابع)
فيها على عدم الاعتناء.
و لك أن تقرّر بوجه آخر و هو: أنّ العلم الإجمالي و إن كان سببا لتنجّز التكليف بالحرام الموجود في المشتبهات، إلّا أنّه لمّا كان الموجب للاحتياط في الأطراف قيام احتمال كونه المحرّم الذي يجب الاجتناب عنه و يترتّب على ارتكابه العقاب بحكم العقل، لوجوب دفع الضرر المحتمل، لم يجب الاحتياط هنا، لأنّ كلّا من الأطراف إذا لوحظ بنفسه، كان احتمال ترتّب العقاب عليه لاحتمال كونه المحرّم الواقعي ضعيفا،- بحيث لا يعتني العقلاء بمثل هذا الاحتمال كاحتمال وقوع حائط محكم البنيان و كان العقل لكون الاحتمال عنده بمنزلة العدم فجوّز ارتكابه- و حينئذ نقول:
إذا عاقب الشارع على مثل هذا المشتبه- إذا اتّفق كونه المحرّم الواقعي- يعدّ عقابه عند العقلاء عقابا بلا برهان و قبيحا.
إلّا أن يقال: إذا فرض أنّ العلم الإجمالي منجّز للواقع، و كان احتمال العقاب في كل فرد من الأطراف قائما- على تقدير كونه الحرام الواقعي- لم يكن مجديا إذن العقل في الارتكاب و تأمينه، فانّ حكمه هذا إخراج للطرف عن موضوع التكليف، و لا يوجب ذلك عدم العقاب على مخالفة الواقع- على تقدير مصادفة ما أذن فيه العقل للحرام الواقعي بسبب هذا الاذن- و احتمال كون العقاب بلا بيان مناف لتسليم كون العلم الإجمالي منجّزا للأمر بالاجتناب عن المحرّم الواقعي، إذ معنى كونه منجّزا ليس الّا كون الحجة من قبل الشارع تماما، فالأولى ما تقدّم: من أنّ هذا العلم الإجمالي- بعد اشتباه الحرام بأمور كثيرة- لا يكون متمّما للحجة، و موجبا للخوف في الوقوع في المهلكة، و معه يبقى التكليف بالحرام تكليفا بلا بيان.
و يمكن التنزّل عن هذا التقرير و يقال: إنّ من المعلوم عندنا هو أنّ العقلاء إذا علموا بوجوب ما يجب التحرّز عنه في أمور غير محصورة، لا يوجب ذلك العلم وقوفهم عن ارتكاب المشتبهات و التحرّز عنها، و إن لم يكونوا مجوّزين لارتكاب الجميع، لحصول العلم معه بالوقوع في المهلكة، كما يعلم ذلك: من ملاحظة امتثال اشتباه زيد الذي نهي العبد عن المعاملة معه، فإنّه لا يقف بذلك عن المعاملة و لا يجترئ على