الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ٣٥٩ - الرابع
دلّت تلك الرواية و غيرها من الأمارات الأخر: أنّ الأغسال حقائق فهل به تجتمع في مصداق واحد، كان الغسل الواحد المنويّ به غسلان فردا لعنوانين مختلفين في الحكم في أنفسهما، و كان ذلك الغسل مجمعا لهما، فهذا الفرد مجمع لجهتين:
الوجوب، و الاستحباب، و أمّا فعليّة الحكمين فيه فهو غير ممكن، لاجتماع حكمين مختلفين في النوع، أو متّحدين فيه في محلّ واحد غير ممكن، أمّا الأوّل فلتضادّهما بالغرض، و أمّا الثاني فلامتناع اجتماع المثلين في محلّ واحد.
و من هنا يشكل الأمر بناء على اعتبار نيّة الوجه في صحّة العبادة إذا نوى الغسلين معا.
فعن المختلف: أنّه إن نوى الوجوب عن الجمعة و الجنابة لا يجزئ، لأنّه نوى الوجوب عمّا ليس بواجب، و إن نوى الندب لم يرفع غسل الجنابة على وجه، و إن نواهما معا كان الفعل الواحد قد نوى فيه الوجوب و الندب فلا يقع عليهما و لا على أحدهما، لأنّه ترجيح بلا مرجّح انتهى [١]. ينبغي أوّلا توضيح الإشكال، ثمَّ التصدّي للجواب بما يقتضيه الحال.
فنقول: إذا اجتمع عنوانان: أحدهما واجب و الآخر مندوب في مصداق واحد، فلا ريب أنّ ذلك المصداق الواحد لا يكون واجبا و مندوبا، و حينئذ فإمّا أن نقول:
إنّ ذلك الفرد ليخرج عن العنوانين، لأنّ المقتضي للدخول في كلّ واحد موجود، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر، أو نقول: إنّه متّصف بالوجوب، لأنّ الجهة المانعة عن النقيض لا تزاحمه الجهة الغير المانعة، لأنّ ما لا يقضي المنع لا يزاحم ما يقتضي المنع.
نعم لو كان جهة الاستحباب مقتضية للإذن في الترك لا من حيث نفس عنوان المأمور به، بل كان كذلك حتى بالنسبة إلى الطوارئ اللاحقة للمأمور به من العناوين المتّحدة معه مصداقا في بعض الأحيان، تعارضت الجهتان، و كون النتيجة
[١] مختلف الشيعة: في الأول في أقسام الغسل، ج ١، ص ٢٩، س ١٨.