الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ٣٠ - فمن الكتاب
بتسليم الخصم لما فهم من دليله تسليمه ذلك، و إمّا للإجماع على ذلك صحّ الاستدلال بالآية، و لمّا لم يكن في باب الملازمة ملازمة بين عدم الفعلية و عدم الاستحقاق لم يصحّ الاستدلال بها هناك. و من الآيات قوله تعالى «وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ حَتّٰى يُبَيِّنَ لَهُمْ مٰا يَتَّقُونَ» [١] فإنّ الإضلال هنا: هو الخذلان، لعلاقة السببية، و المعنى حينئذ: أنّ الخذلان من اللّه سبحانه و تعالى لا يقع على قوم بعد إذ هداهم إلى الإسلام حتّى يبيّن لهم ما يتّبعونه و يجتنبونه من الأفعال و التروك، و إذا كان الخذلان كذلك فالعذاب اولى بذلك. و فيه: أنّ الظاهر من الآية كالآية السابقة، أنّ ذلك لم يقع في الأمم السابقة، و الأولويّة ممنوعة على تقدير تسليم إفادتها الدوام، لأنّ الخذلان أعظم من العذاب، إذ هو عبارة عن عدم نصرة العبد و إيكال أمره إليه، الذي هو سبب للضلال الذي لا هداية بعده، و للعذاب الذي لا ينتهي أمده.
و لا ريب أنّ عدم الإضلال قبل البيان- بهذا المعنى- لا ينافي استحقاق العقاب قبله، و الفعلية في الجملة التي ترفع تارة بالشفاعة، و اخرى باللطف و التخفيف.
و من الآيات قوله تعالى «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» [٢].
و فيه: أن الاستدلال انّما يتمّ إذا كان في الآية دلالة على أنّه لا يقع الهلاكة إلّا عن بيّنة، و لا دلالة فيها على ذلك، و انّما تدلّ على أنّ الهلاكة في هذه القضية- أي قضيّة «بدر»- أنّما كان عن بيّنة، و لا تدلّ على أنّ البيان يقع في جميع الوقائع، لأجل أنّ الهلكة بدون البيان لا تقع.
و من الآيات قوله تعالى «قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» [٣]. فإنّه تعالى أمر نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يبطل تشريع الكفّار، بعدم وجدانه ما حرّموه في جملة ما حرّم اللّه تعالى عليه، و لو لا أنّ
[١] التوبة: ١١٥.
[٢] الأنفال: ٤٢.
[٣] الأنعام: ١٤٥.