الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ٩٣ - المقام الأوّل إنّه يحرم المخالفة القطعية
مثلا قول الشارع اجتنب عن الخمر شامل للخمر الواقعي الذي لم يعلم به المكلّف و لو إجمالا، و حلّيته في الظاهر، كما هو قضيّة أدلّة البراءة لا يوجب خروجه عن العموم المذكور حتى لا يكون حراما واقعيا، و حينئذ فلا محذور في التزام مثل ذلك في الخمر المجهول شخصه المعلوم وجوده بين الأطراف إجمالا.
و أمّا ما يقال: من أنّ الحكم الظاهري لا يقدح مخالفة للحكم الواقعي في نظر الحاكم مع جهل المحكوم بالمخالفة، لرجوع ذلك إمّا إلى معذورية الجاهل- كما في أصالة البراءة- أو إلى بدلية الحكم الظاهري عن الواقع، أو كونه طريقا إليه على الوجهين في الطرق الظاهرية المجعولة، و أمّا مع علم المحكوم بالمخالفة فيقبح من الجاعل جعل كلا الحكمين، لأنّ العلم بالتحريم يقتضي وجوب الامتثال بالاجتناب عن ذلك المحرّم، فاذن الشارع في فعله ينافي حكم العقل بوجوب الطاعة.
ففيه: أنّ معذورية المحكوم قد يكون بنفسه، و قد يكون بجعل الحاكم، و في موارد الشبهة لو دلّ دليل على الاذن في ارتكاب كلا المشتبهين كان راجعا إلى أنّ الجهل بشخص الحرام على وجه يمتاز عن غيره عند المحكوم عذر له في ارتكاب الحرام، و أمّا قبح جعل ذلك من الحاكم لأجل منافاة ذلك لحكم العقل، فهو مبني على أن يكون العلم الإجمالي علّة لتنجّز الخطاب عند العقل و هو ممنوع.
بل نقول: إنّ الذي يحكم به العقل هو أنّ العالم إجمالا ما لم يجعل جهله عذرا له لا يأمن من العقاب إذا خالف الخطاب المعلوم إجمالا، فإنّه لا يمتنع عند العقل أن يكون الخطاب معلوما عند المحكوم، و مع ذلك لا يكون الطلب فعليا على وجه يترتّب على مخالفته العقاب، بل يجوز أن يجعل الشارع عذرا للمكلّف و بسببه لا يريد منه موافقة ذلك الخطاب المعلوم.
نعم يحكم بوجوب الموافقة ما لم يعلم من الشارع إذن، لأنّ العلم بالخطاب مسقط للعذر من قبل المكلّف في نفسه و كون جهله بالتفصيل عذرا، مبني على الجعل و المفروض عدم حصوله، و قياس العلم الإجمالي على العلم التفصيلي بعد إمكان