الرسائل الفشاركية - الطباطبائي الفشاركي، السيد محمد - الصفحة ٤٨ - و من السنّة أخبار منها
للعباد ببعث الحجج و بيانهم خفي ذلك بإخفاء الظالمين و كتمانهم الحق موضوعا عن العباد، فهو دالّ على وضع ما لم يكن من قبل اللّه طريق إلى معرفته و لم يبيّنه الحجج و كانوا يخفونه عن العباد، فهو حينئذ نظير المروي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): انّ اللّه حدّ حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تكلّفوها، رحمة من اللّه لكم [١].
لا يقال: الوضع نظير الرفع في ظهوره في إعدام ما هو ثابت و موجود، و لا وضع فيما لا طريق إليه أصلا، إذ هو موضوع بحكم العقل، و ليس ما يقتضي ثبوته موجودا حتى يكون نفيه وضعا و رفعا فهو يقتضي أن يكون المراد ممّا حجب اللّه أعم من ذلك.
لأنّا نقول: مع أنّ ظهور الوضع في ذلك ليس كظهور الرفع، أنّ المراد من الوضع عدم الإثبات بجعل الطريق إليه مع كون المقتضي للإثبات موجودا، لأجل التسهيل على العباد و الرحمة بهم، كما هو المقتضى الخبر الثاني، أو مطلق عدم الإثبات بقرينة قوله (عليه السّلام) ما حجب اللّه علمه عن العباد، و كون هذا قرينة على التصرّف في ما حجب اللّه، ليس بأولى من كونه قرينة على التصرّف في ذلك، بل هذا أولى، لقوة ظهور قوله ما حجب اللّه فيما ذكرنا.
و الحاصل: أنّ المراد من الوضع أحد المعنيين، و ليس ظهوره في رفع ما يكون مقتضى الأدلّة ثبوته قابلا للمعارضة مع ظهور قوله: ما حجب اللّه علمه فيما لا طريق اليه، بحيث يصير قرينة على إرادة خلاف ظاهره منه.
و قوله (عليه السّلام): الناس في سعة ما لا يعلمون [٢].
وجه الدلالة: أنّ «ما» أمّا موصولة أضيف إليه السعة، أو مصدرية زمانية، و على التقديرين يثبت المطلوب، فانّ معناه على الأوّل: أنّ الناس في سعة كلّ شيء لا يعلمونه، فيدلّ على أنّ الحكم المجهول يكون الجاهل به في سعة، و على الثاني
[١] وسائل الشيعة: ب ١٢ من أبواب صفات القاضي ح ٦١ ج ١٨ ص ١٢٩ و فيه «فلا تنقصوها».
[٢] المحاسن: ص ٤٥٢ و فيه: «ما لم يعلموا».